واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله

شروح السنهوري -مرحبا بكم - نرجو لكم الاستفادة والنفع من الوسيط في شرح القانون المدني

آخر الشروح

الأحد، 18 ديسمبر 2016

الجهة التي صدر منها الإكراه

 ج – الجهة التي صدر منها الإكراه

200 – الإكراه الصادر من المتعاقد الآخر والإكراه الصادر من الغير : كان القانون القديم يميز بين الإكراه والتدليس إذا صدرا من الغير . فالإكراه الصادر ، الغير يؤثر في صحة العقد ، أما التدليس الصادر من الغير فلا اثر له في ذلك . وكان هذا موضعاً للنقد سبقت الإشارة إليه . أما القانون الجديد فقد نبذ هذا التمييز ، وجعل الحكم سواء في الحالتين . فعالج بذلك عيباً ظاهرة من عيوب القانون القديم .

والأصل أن الإكراه يفسد الإرادة كما قدمنا . وسواء صدر الإكراه من أحد المتعاقدين أو صدر من الغير فإن اثر الإكراه من حيث هو عيب في الرضاء لا يختلف ، والإرادة تكون فاسدة في الحالتين .
أما من حيث أن الإكراه عمل غير مشروع ، فإن المسئول عن هذا العلم هو المكره ، وهو في إحدى الحالتين غير في الحالة الأخرى .
والذي يعنينا هنا هو الإكراه بوصفه عيباً في الرضاء . وفلا فرق إذن بين إكراه يصدر من أحد المتعاقدين وإكراه يصدر من الغير : كلاهما يفسد الإرادة ويجعل العقد قابلا للإبطال ( [1] ) .
إلا أن هذا الحكم منوط بتوافر شرط هو ذات الشرط الذي أوردناه في التدليس . فالإكراه الصادر من الغير لا يجعل العقد قابلا للإبطال إلا إذا اثبت المتعاقد المكره أن المتعاقد الآخر كان يعلم ، أو كان من المفروض حتما أن يعلم ، بهذا الإكراه . ذلك أن الإكراه إذا صدر من الغير ، ولم يكن المتعاقد الآخر يعلم به أو يفرض حتما أنه يعلم به ، واختار المتعاقد المكره إبطال العقد ، فإنه يصح للمتعاقد حسن النية أن يطالبه بالتعويض ، وخير تعويض هنا هو استبقاء العقد صحيحاً ، فيقوم في هذه الصورة أيضاً لا أساس من الإرادة الحقيقية ، بل على أساس من التعويض . وهذا هو عين ما قررناه في التدليس ( [2] ) .
ويلاحظ أن الإكراه في هذه الصورة الأخيرة ، حيث يبقى العقد صحيحاً لحسن نية المتعاقد الآخر ، إذا لم ينتج أثره كعيب من عيوب الرضاء ، فإنه ينتج أثره كعمل غير مشروع ، ويكون للمكره أن يطالب الغير الذي صدر منه الإكراه بتعويض ما أصابه من الضرر ( [3] ) .

201 – الإكراه الصادر عن ظروف تهيأت مصادفة ( حالة الضرورة ) : وقد يصدر الإكراه لا من أحد المتعاقدين ولا من الغير ، ولكن من ظروف تهيأت مصادفة لا يد لأحد فيها ، واقتصر المتعاقد على الإفادة منها واستغلالها لحمل من وقع تحت تأثير هذه الظروف على التعاقد ، كما إذا تقدم شخص لإنقاذ آخر من خطر الغرق أو الحريق أو القتل أو نحو ذلك وحصل منه قبل إنقاذه على تعهد بإعطائه مقداراً جسيما من المال ثمناً لهذا الإنقاذ ، وكما لو اتفق جراح مع مريض على إجراء عملية في نظير أجر باهظ مبالغ فيه .

وقد ذهبت النظرية التقليدية في الإكراه إلى التمييز ما بين هذا الفرض والفرض الذي يصدر فيه الإكراه من الغير . فإن الإكراه الصادر من الغير يقصد به الضغط على المتعاقد حتى ينتزع منه الرضاء ، ومن ثم يؤثر في صحة العقد . أما الفرض الذي نحن بصدده فالظروف الضاغطة على الإرادة قد تهيأت مصادفة ، ولم يكن الغرض منها الضغط على إرادة المتعاقد ، ولم يفعل المتعاقد الآخر إلا أنه استغلها عند تعاقده . ولما كانت النظرية التقليدية تشترط في الإكراه أن ينتزع الرضاء ، وقد ورد فعلا لفظ " الانتزاع " ( extorque ) في المادة 1109 من القانون المدني الفرنسي ، فإنها لا تجعل الإكراه الذي تهيأت ظروفه مباشرة ذا اثر في صحة العقد ( [4] ) .
ولكن هذا التمييز الذي تأخذ به النظرية التقليدية لا مبرر له ، وهو اثر من آثار القانون الروماني بقى في القانون الفرنسي بعد أن زالت مقتضياته ( [5] ) . والصحيح أن الإكراه متحقق في كلا الفرضين . وما دامت إرادة المتعاقد لم تكن حرة ، بل صدرت تحت تأثير الضغط ، فالإرادة فاسدة ، سواء في ذلك أن يكون مصدر الضغط هو المتعاقد الآخر أو أجنبي أو ظروف خارجية لا يد لا حد فيها ، فاثر الضغط في إرادة المتعاقد واحد في كل هذه الأحوال . فإذا تعرض شخص لخطر الموت ، وتقدم لإنقاذه شخص اشترط أن يأخذ مبلغاً جسيماً من أجل ذلك ، فلا فرق ، من حيث حرية إرادة المدين ، إذا كان مصدر الخطر الذي يتهدده هو من فعل الدائن أو من عمل الغير أو نتيجة الصدفة ، وما دام الدائن قد علم بالظروف الخارجية واستغله فالعقد قابل للإبطال . كذلك الطبيب الذي يستغل خطورة المرض ، فيضطر المريض إلى الالتزام بمبلغ جسيم اجرا للعلاج لا يتناسب البتة مع الأجر الذي يؤخذ عادة ، إنما يتعاقد مع شخص قد فقد حرية الإرادة ، ويجب أن يبطل العقد في هذه الحالة ، ومن ينقذ سفينة على وشك الغرق تلقاء تعهد باهظ من ربان السفينة ليس له أن يتمسك بهذا التعهد لأن الإرادة قد أفسدها الإكراه .
وقد أشتمل المشروع التمهيدي للقانون الجديد على نص صريح في هذا الموضوع يميز بين ما إذا كان المتعاقد الآخر حسن النية ولم يقصد أن يستغل المتعاقد المهدد بخطر تهيأت ظروفه مصادفة ، أو كان سيء النية وأراد استغلال هذه الظروف . ففي الحالة الأولى وحدها لا يكون للمتعاقد المكره حق إبطال العقد ( [6] ) ، ويستخلص من مفهوم المخالفة أن الإكراه يكون سبباً لإبطال العقد في الحالة الثانية . وهذا التمييز معقول ويجب الأخذ به في ظل القانون الجديد . وإذا كان المشروع النهائي قد اغفل هذا النص فلم يكن ذلك لأنه أراد مخالفة حكمه ، بل هو قد اعتمد على القواعد العامة في تقرير هذا الحكم ( [7] ) ، وبخاصة على قواعد الاستغلال . وسنرى ذلك فيما يلي .



 ( [1] ) والقضاء والفقه في مصر متفقان على هذا الحكم حتى في ظل القانون القديم : محكمة الاستئناف المختلطة في 11 ابريل سنة 1888 المجموعة الرسمية للقضاء المختلط 13 ص 171 – وفي 19 يونية سنة 1923 م 35 ص 510 – ذي هانس 1 لفظ ( convention ) فقرة 45 – هالتون 1 ص 318 – والتون 1 ص 234 – الدكتور ذهني بك فقرة 136 – فقرة 141 – الدكتور محمد صالح بك فقرة 281 – نظرية العقد للمؤلف فقرة 40 – الدكتور حلمي بهجت بدوي فقرة 89 – الدكتور أحمد حشمت أبو ستيت فقرة 186 .
 ( [2] ) محكمة الاستئناف المختلطة في 19 يونية سنة 1923 م 35 ص 510 ( وقد سبقت الإشارة إلى هذا الحكم ) . وقارن المادة 29 من قانون الالتزامات السويسري . هذا ويصح القول هنا أيضاً بان القانون الجديد أخذ بالإرادة الظاهرة دون الإرادة الباطنة على النحو الذي سبق أن قررناه في صدد الغلط والتدليس .
 ( [3] ) وقد أشتمل المشروع التمهيدي على نص في هذا المعنى ، فقضت الفقرة الثانية من المادة 177 من هذا المشروع بأنه " إذا كان الطرف الآخر لا يعلم بوقوع الإكراه ، ولم يكن في استطاعته أن يعلم به ، فليس للمركه إلا أن يطالب المكره بالتعويض " . وقد حذفت هذه الفقرة في المشروع النهائي لأنها تقرر حكماً تكفي فيه قواعد المسئولية ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 185 و ص 187 ) .
 ( [4] ) أنظر في هذه النظرية التقليدية : نظرية العقد للمؤلف ص 425 .
 ( [5] ) وذلك أن القانون الروماني كان يجعل للإكراه جزاء مستقلا غير إبطال العقد . أما الإكراه الذي تهيأت ظروفه مصادفة فلم يكن عليه جزاء ، لأنه لا يمكن في هذه الحالة توجيه الدعوى ضد شخص معين صدر منه الإكراه . فانتقلت هذه القاعدة إلى القانون الفرنسي بالرغم من أن هذا القانون يجعل جزاء الإكراه إبطال العقد ، ولا يكتفي بدعوى تعويض ضد من صدر منه الإكراه . وظاهر أن دعوى الإكراه يمكن توجيهها ضد المتعاقد الآخر دون حاجة إلى تلمس شخص صدر منه الإكراه ( أنظر بلانيول وريبير وإسمان 1 فقرة 195 – أنظر أيضاً جوسران 2 فقرة 88 وهو يرى أن العقد يكون قابلا للإبطال في هذه الحالة لاننا لا ننظر هل كان الدائن ملوماً أو غير ملوم من حيث وجود هذا الإكراه ، بل ننظر هل كان المدين إرادته حرة مختارة أم صدرت إرادته تحت ضغط دافع ) .
وظاهر مما تقدم أن القانون الروماني كان لا ينظر إلى الإكراه إلا باعتباره أنه عمل غير مشروع ، فإذا تهيأت ظروفه مباشرة فلا مسئولية على أحد ، ولا جزاء على مثل هذا الإكراه . أما الآن فنحن ننظر إلى الإكراه ، لا يوصف أنه عمل غير مشروع فحسب ، بل أيضاً بوصف أنه عيب في الرضاء . فالإكراه الذي تهيأت ظروفه مباشرة إذا فاته الوصف الأول فلا يفوته الوصف الثاني ، ويكون إذن سبباً في إبطال العقد .
 ( [6] ) نصت الفقرة الثالثة من المادة 178 من المشروع التمهيدي – وقد حذفت في المشروع النهائي اكتفاء بالقواعد العامة – على ما يأتي : " إذا ابرم شخص عقداً للخلاص من خطر جسيم حال ، يهدده هو أو أحد أقاربه ، فلا يعتبر هذا العقد قابلا للبطلان بسبب الإكراه إذا كان الطرف الآخر حسن النية ولم يقصد أن يستغل الطرف المهدد " . وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في صدد هذا النص ما يأتي : " . . . أما التطبيق الثالث فهو خاص بحالة من يجد غيره مهدداً بخطر جسيم حال لا يد له فيه ، فستغل هذا الموقف . فهو وإن لم يكن المتسبب في الظرف المجئ ، إلا أنه انتفع به للحصول على مغنم فاحش . ويعتبر الإكراه في هذه الصورة عيباً في الرضاء ( قارن الاستغلال ) . وعلى النقيض من ذلك ينتفي الإكراه ويكون الرضاء صحيحاً إذا لم يحاول المتعاقد الآخر في مثل هذا الفرض أن يحصل على منفعة مفرطة ، بل اقتصر على انقاذ المتعاقد الآخر في مقابل منفعة معقولة . فمناط الحكم في هذه التطبيقات الثلاثة هو فكرة ( الإفراط في الغنم ) . ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 185 – ص 186 في الهامش ) . أنظر أيضاً المادة 1447 من القانون الإيطالي الجديد .
هذا والحكم يبقى صحيحاً حتى لو اعتقد المتعاقد المهدد أن المتعاقد الآخر قد افرط في الغنم ، ما دام هذا الأخير كان حسن النية ولم يهدف إلى استغلال الخطر الذي يتهدد المتعاقد معه . فإذا اتفق جراح شهير مع مريض على إجراء عملية خطيرة ، وتقاضى أجراً لعمله مبلغاً كبيراً ولكنه يتناسب مع خطورة العملية ، فالعقد صحيح حتى لو تمسك المريض فيما بعد بأن إرادته لم تكن حرة وقت التعاقد . وتعليل ذلك أن الطبيب كان حسن النية ، فلو فرض أن المريض لم يكن حر الإرادة وأراد إبطال العقد ، فمن حق الطبيب أن يتقاضى تعويضاً من المريض في هذه الحالة ، وخير تعويض هو استبقاء العقد صحيحاً كما مر ذلك في صور مختلفة .
 ( [7] ) وقد أخذ بهذا الرأي الفقه والقضاء في مصر حتى في ظل القانون القديم : والتون 1 من 237 – ص 238 – الدكتور ذهني بك فقرة 135 – الدكتور محمد صالح بك فقرة 282 – نظرية العقد للمؤلف فقرة 421 – الدكتور حلمي بهجت فقرة 89 – الدكتور أحمد حشمت أبو ستيت فقرة 187 – وأبطلت محكمة الاستئناف المختلطة الاتفاق الذي يعقد في حالة الاضطرار الناجمة من وجود سفينة في خطر ( 22 مارس سنة 1899 م 11 ص 166 ) ، واكتفت بإعطاء دعوى الفضولي ( 11 مايو سنة 1892 م 4 ص 235 ) . أنظر أيضاً محكمة الاستئناف المختلطة في 13 يونيه سنة 1909 م 21 ص 3 – وفي 18 نوفمبر سنة 1925 م 38 ص 54 – وفي 25 يناير سنة 1933 م 45 ص 141 ( وفي هذا الحكم الأخير ذكرت المحكمة في أسباب الحكم أن القانون المصري ( القديم ) لم ينقل من القانون الفرنسي كلمة " ينتزع " ( extorque ) الواردة في المادة 1109 من هذا القانون الأخير ، والتي كانت السبب في أن الفقه الفرنسي لا يجعل حالة الاضطرار التي تهيأت مصادفة إكراها يبطل العقد ) .
هذا والقانون المقارن في هذا الموضوع متجه إلى جعل حالة الاضطرار مؤثرة في صحة العقد ، وسنرى ذلك عند الكلام في نظرية الاستغلال ( نظرية العقد للمؤلف ص 441 حاشية رقم 1 ) .


تذكار الفخار :
الأستاذ الدكتور/حسن علي الذنون 

"من لا يخلص لوطنه لا يخلص في عمله، ومن لا يخلص في عمله لا يخلص لوطنه ، فالعلاقة بين العمل والوطن ديناميكية أساسية وتنطوي على منظومة من القيم السامية"

الأستاذ الدكتور/حسن علي الذنون
- فقيه القانون-يعدُّ من الرواد -العراق .مواليد:الموصل سنة 1911
- -توفاه الله في السابع من يناير 2014 -كان من المعاصرين -وبمثابة تلميذ- للسنهوري وقد أخذ منه ورجع إليه السنهوري في الكثير عند كتابة موسوعته :الوسيط في شرح القانون المدني للمقارنة بين القوانين العربية

مواضيع ومجالات مقترحة

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"

أهلا وسهلا بك زائرنا المحترم
هذا العمل هو عمل متنامي يتطور باستمرار لاتحرمنا من ثواب مشاركتك أو متابعتك
بقدر ما تستطيع انشر وشارك المقالات مع معارفك واصدقاءك
فهذا ما يجعلنا نستشعر الاهتمام والتشجيع
فأعط لغيرك إمكانية الاستفادة والتعلم والبحث


ديوان صوت القوانين موقع صوت القوانين

×