واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله

شروح السنهوري -مرحبا بكم - نرجو لكم الاستفادة والنفع من الوسيط في شرح القانون المدني

آخر الشروح

الثلاثاء، 13 ديسمبر 2016

الرئيسية رهبة تحمل على التعاقد -الاكراه

رهبة تحمل على التعاقد -الاكراه


ب – رهبة تحمل على التعاقد
هذا هو العنصر الثاني الذي يتوافر به الاكراه المُعيب للارادة  في اطار المعيار الذاتي الذي أخذ به التشريع المصري وهوالرهبة التي بعثها إلى نفس المتعاقد المكره التهديد بخطر جسيم محدق في النفس أو الجسم أو الشرف أو المال رهبة قد ضغطت على إرادته بحيث أصبح مسلوب الحرية لا اختيار له فيما أراد ، وأن هذه الرهبة هي التي حملته على التعاقد ودفعته إليه دفعاً .العنصر النفسي المعنوي




198 – وجوب الأخذ بالمعيار الذاتي :


 قدمنا أن المادة 127 من القانون الجديد تقضي بأنه يجوز إبطال العقد للإكراه إذا تعاقد شخص تحت سلطان رهبة بعثها المتعاقد الآخر في نفسه دون حق  . . ويراعى في تقدير الإكراه جنس من وقع عليه هذا الإكراه وسنه وحالته الاجتماعية والصحية وكل ظرف آخر من شأنها أن يؤثر في جسامة الإكراه . 
وهذا النص قاطع في أن القانون الجديد يأخذ في الإكراه بمعيار ذاتي محض . 
وقد كان القانون القديم ( م 135 / 195 ) يخلط بين المعيار الذاتي والمعيار الموضوعي مقلداً في ذلك القانون الفرنسي كما سبق القول ( [1] ) .
ولا شك في أن القانون الجديد أحسن صنعاً بالاقتصار على المعيار الذاتي وعدم الخلط بينه وبين المعيار الموضوعي ، فإن الإكراه ، كالغلط وكسائر عيوب الرضاء ، ظاهرة من الظواهر النفسية لا يجوز الأخذ فيها بغير المعيار الذاتي ( [2] )
وهذا ما جرى عليه القضاء والفقه في مصر حتى في ظل القانون القديم ( [3] )
وهذا هو أيضاً ما أخذت به الشريعة الإسلامية ( [4] ) والقوانين الأجنبية الحديثة ( [5] ) .
فيجب إذن أن تكون الرهبة التي بعثها إلى نفس المتعاقد المكره التهديد بخطر جسيم محدق في النفس أو الجسم أو الشرف أو المال رهبة قد ضغطت على إرادته بحيث أصبح مسلوب الحرية لا اختيار له فيما أراد ، وأن هذه الرهبة هي التي حملته على التعاقد ودفعته إليه دفعاً . فالرهبة إذن تكون قد افسدت إرادته ، وهذه هي المسألة الجوهرية التي يجب الوقوف عندها ، واليها ترد سائر المسائل في الإكراه . وما تقدم ذكره من وجوب التهديد بخطر في النفس أو الجسم الو الشرف أو المال ، ومن أن الخطر يجب أن يكون جسيماً محدقاً ، إنما هو المظهر المادي للرهبة التي انبعثت في نفس المتعاقد المكره فحملته على التعاقد . وليس الخطر الجسيم المحدق مقصوداً لذاته ، بل للنتيجة التي يؤدي إليها من وقوع الرهبة في النفس ، وأن تكون هذه الرهبة هي التي دفعت إلى التعاقد ، مراعى في ذلك الحالة الشخصية للمتعاقد المكره . وهذا هو المعنى المقصود من الأخذ بالمعيار الذاتي ( [6] ) .

199 – تطبيق المعيار الذاتي : 

فالواجب إذن النظر إلى حالة المتعاقد الشخصية ، فنتعرف إلى أي حد هو يتأثر بالرهبة والخوف ، وندخل في اعتبارنا كل العوامل التي يكون من شأنها تكييف نفسيته ، من جنس وسن وحالة اجتماعية وحالة صحية وكل ظرف آخر من شأنه أن يؤثر في جسامة الإكراه كما تقول الفقرة الثالثة من المادة 127 .
فالأنثى غير الذكر . والصبي الصغير غير الشاب القوي ، وهذا غير الهرم البالي . والقروى الساذج غير المدني المتحضر . والعصبي غير الهادئ المزاج . والضعيف غير القوى . والمريض غير المعافي . والجاهل غير المتعلم . والغبي غير الذكي . وهكذا . ويجب الاضداد أيضاً إلى جانب الحالة الشخصية بالظروف والملابسات ، فالخطر قد يحدث رهبة في نفس المتعاقد وهو في جهة قاصية بعيدة عن الناس ولا يحدثه وهو في مدينة آهلة بالسكان وعلى مقربة من رجال الأمن . وقد يخشى منفرداً ما لا يخشاه وهو في جماعة من الناس . وقد يكون الخوف اشد وقعاً في نفسه ليلا منه نهاراً . فالمكان والزمان وغيرهما من الظروف والملابسات تؤثر في تكييف جسامة الخطر في نفس المتعاقد [7] ) .
ومعرفة ما إذا كانت الرهبة هي التي دفعت فعلا إلى التعاقد مسألة واقع لا رقابة لمحكمة النقض عليها [8] ) . وينظر في تقديرها إلى العوامل التي سبق بيانها . ووجوب الاعتداد بهذه العوامل من مسائل القانون التي تعقب عليها محكمة النقض [9] ) .



 ( [1] ) أنظر آنفاً فقرة 190 – وقد حاول بعض الفقهاء في فرنسا أن يزيل التعارض ما بين المعيارين الذاتي والموضوعي ، وهو التعارض الوارد في المادة 1112 من القانون المدني الفرنسي على ما رأينا ، فذهب إلى وجوب التفريق ما بين المعيارين على الوجه الآتي : إذا كان المتعاقد فوق الوسط طبق المعيار الموضوعي ، واكتفى في جسامة الخطر بأن يكون من شأنه أن يؤثر في الوسط من الرجال . أما إذا كان المتعاقد دون الوسط وجب تطبيق المعيار الذاتي ، ونظرا إلى حالة المتعاقد وسنه وجنسه وما إلى ذلك ( كولميه دي سانتيير فقرة 22 مكررة ( 1 ) – بفنوار ص 606 – كولان وكابيتان 2 ص 285 ) . وظاهر أن هناك عيباً وضاحاً في هذا التوفيق ، فإن المتعاقد إذا كان فوق الوسط فإن إرادته لا تفسد بإكراه ليس من شأنه أن يفسد إرادة من هم فوق الوسط ، فكيف يقال بعد ذلك أن إرادته قد فسدت بمثل هذا الإكراه !
 ( [2] ) ولا يوجد مانع من الجمع بين الأخذ بمعايير ذاتية في عيوب الإرضاء والأخذ بالإرادة الظاهرة فيما يقتضيه استقرار التعامل . ولا يوجد قانون واحد خلا من هذا الجمع . وإنما القوانين تطاوع المقتضيات العملية ، فتأخذ تارة بالإرادة الظاهرة والمعايير الموضوعية حيث يغلب اعتبار استقرار التعامل ، وتأخذ طوراً بالإرادة الباطنة والمعايير الذاتية حيث يغلب اعتبار العدالة والمنطق القانونين . وتتفاوت القوانين في التوفيق ما بين الاعتبارين فمنها ما يغلب عليه ترجيح الاستقرار ، ومنها ما يغلب عليه ترجيح العدالة ، ومنها ما يرضى الاعتبارين على حد سواء بالقدر الذي يقتضيه كل منهما فيكون بينهما قواماً .
 ( [3] ) محكمة الاستئناف الوطنية في 25 أكتوبر سنة 1891 الحقوق 6 ص 302 – محكمة أسيوط الكلية في 26 ابريل سنة 1928 المحاماة 10 رقم 223 ص 447 – محكمة الاستئناف المختلطة في 15 يونيه سنة 1916 م 28 ص 431 – وفي 19 يونيه سنة 1923 م 35 ص 510 – هالتون 1 ص 318 – دي هاتس 1 لفظ ( convention ) فقرة 44 – والتون 1 ص 226 – ص 227 – الدكتور عبد السلام ذهني بك فقرة 134 – الدكتور محمد صالح بك فقرة 279 – نظرية العقد للمؤلف فقرة 413 – الدكتور حلمي بهجت بدوي فقرة 88 – الدكتور أحمد حشمت أبو ستيت فقرة 184 .
 ( [4] ) مرشد الحيران م 288 : " يختلف الإكراه باختلال أحوال الأشخاص وسنهم وصنعتهم ومناصبهم وجاههم ودرجة تأثرهم من الجنس والضرب كثرة وقلة ، وشدة وضعفاً "
 ( [5] ) القانون المدني الألماني م 123 – قانون الالتزامات السويسري م 30 .
 ( [6] ) وهذا ما انتهى إليه الفقه المصري في ظل القانون القديم . وقد جاء في هذا المعنى في كتاب نظرية العقد للمؤلف ما يأتي : " قلنا إن شرطاً واحداً كان يكفي في الإكراه ، وهو المعيار الذي تقاس به سامته . فإذا قيل إن الإكراه يجب أن يصل إلى حد من الجسامة بحيث يكون هو الذي دفع إلى التعاقد ، فإن الشروط الأخرى التي ذكرت إلى جانب هذا الشرط تصبح غير ضرورية . . . ويتبين مما تقدم أن الشروط التفصيلية التي تتطلبها النظرية التقليدية في الإكراه غير صحيحة في كثير من تطبيقاتها . والأولى أن نغفل هذه الشروط وأن نكتفي بالمعيار المرن الذي ذكرناه ، فيتحقق الإكراه إذا وجد المتعاقد المكره بالنسبة لظروفه الشخصية في حالة اضطرار ضغط على إرادته وحملته على التعاقد " ( نظرية العقد ص 437 و ص 444 ) .
 ( [7] ) ويلاحظ أن الخطر إذا كان يهدد المال ، فالمفروض أنه لا يؤثر في إرادة التعاقد إلا إذا كان المال الذي يتعرض للخطر أكثر مما يفقده الشخص من وراء التعاقد الذي اكره عليه . وقد يكون التهديد بالاستيلاء على المال غصباً سبباً لإفساد الرضاء حتى لو كان صاحب العمال يستطيع استرداده بعد غصبه مادام التهديد قد اثر في إرادته .
ولا يعتبر القانون الإنجليزي الخطر الواقع على المال إكراهاً ، لأنه كان في استطاعة المتعاقدان يدع الخطر يتحقق ثم يرجع بتعويض على من تسبب في ضياع المال ( يولوك في العقد ص 645 ) . وهذه نظرية تغفل احتمال عدم الجدوى في الرجوع بالتعويض .
 ( [8] ) وقد قضت محكمة النقض ( الدائرة المدنية – وقد سبقت الإشارة إلى هذا الحكم ) بأن لقاضي الموضوع السلطة التامة في تتدير درجة الإكراه من الوقائع ، وهل هو شديد ومؤثر أو غير مؤثر في الشخص الذي وقع عليه الإكراه ، ولا رقابة لمحكمة النقض عليه في ذلك ( 2 يونيه سنة 1932 المحاماة 13 رقم 62 ص 157 – مجموعة عمر 1 رقم 55 ص 120 ) .
 ( [9] ) وقد قضت محكمة النقض ( الدائرة المدنية ) بأن جسامة الخطر الذي ينشأ منه الإكراه إنما تقدر بالمعيار النفسي للشخص الواقع عليه الإكراه ، وهذا يستدعى مراعاة حالته عملا بالمادة 135 من القانون المدني ( م 127 جديد ) . فإذا كان الكفيل قد دفع ببطلان الكفالة للإكراه قولا منه بأنه كان له في ذمة المكفول له دين بسند مستحق وقت الطلب ، فضاع منه السند ، فلجأ إلى مدينة ليكتب له بدلا منه ، فأبى إلا إذا وقع هو له اقراراً بكفالة أخيه في دين له قبله ، فلم يجد مناصاً من القبول ، فرد الحكم على هذا الدفع بأن فقد سند الدين لم يكن ليؤثر في إرادة الكفيل ، وهو رجل مثقف خبير بالشؤون والمعاملات المالية ، إلى الحد الذي يعيب رضاءه بكفالة أخيه ، فهذا رد سديد . وإذا كان الحكم بعد ذلك قد قال بأن فقد السند ، بحكم كونه واقعة لا يد للمكفول له فيها ، لا يكون الإكراه المبطل للعقود ، فهذا تزيد منه لا يعيبه أن يكون قد أخطأ فيه ( أول ابريل سنة 1948 مجموعة عمر 5 رقم 294 ص 585 ) .


تذكار الفخار :
الأستاذ الدكتور/حسن علي الذنون 

"من لا يخلص لوطنه لا يخلص في عمله، ومن لا يخلص في عمله لا يخلص لوطنه ، فالعلاقة بين العمل والوطن ديناميكية أساسية وتنطوي على منظومة من القيم السامية"

الأستاذ الدكتور/حسن علي الذنون
- فقيه القانون-يعدُّ من الرواد -العراق .مواليد:الموصل سنة 1911
- -توفاه الله في السابع من يناير 2014 -كان من المعاصرين -وبمثابة تلميذ- للسنهوري وقد أخذ منه ورجع إليه السنهوري في الكثير عند كتابة موسوعته :الوسيط في شرح القانون المدني للمقارنة بين القوانين العربية

مواضيع ومجالات مقترحة

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"

أهلا وسهلا بك زائرنا المحترم
هذا العمل هو عمل متنامي يتطور باستمرار لاتحرمنا من ثواب مشاركتك أو متابعتك
بقدر ما تستطيع انشر وشارك المقالات مع معارفك واصدقاءك
فهذا ما يجعلنا نستشعر الاهتمام والتشجيع
فأعط لغيرك إمكانية الاستفادة والتعلم والبحث


ديوان صوت القوانين موقع صوت القوانين

×