واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله

شروح السنهوري -مرحبا بكم - نرجو لكم الاستفادة والنفع من الوسيط في شرح القانون المدني

آخر الشروح

الجمعة، 7 أغسطس 2015

الرئيسية مقدمة في ترتيب مصادر الالتزام

مقدمة في ترتيب مصادر الالتزام

مصادر الحق

مقدمة في ترتيب مصادر الالتزام 

تقسيم المقال

 21 – تعريف مصدر الالتزام :

 المقصود بمصدر الالتزام هنا هو السبب القانوني الذي أنشأ الالتزام . فالتزام المشتري بدفع الثمن مصدره عقد البيع . والتزام المتسبب في ضرر بتعويضه مصدره العمل غير المشروع . والتزام الأب بالنفقة على عياله مصدره نص في القانون .

22 – الترتيب التقليدي لمصادر الالتزام : 

تذكر القوانين اللاتينية عادة 
أن مصادر الالتزام خمسة : العقد ( contrat ) ، وشبه العقد ( quasi - contrat ) ، والجريمة ( délit ) ، وشبه الجريمة ( quasi - délit ) ، والقانون ( loi ) . 
فالعقد هو توافق ارادتين على إنشاء التزام ، كعقد البيع يتفق بمقتضاه البائع والمشتري على إنشاء التزامات ، منها ما هو في جانب البائع كالالتزام بنقل الملكية والالتزام بضمان التعرض ، ومنها ما هو في جانب المشتري كالالتزام بدفع الثمن .

وشبه العقد هو عمل اختياري مشروع ينشأ عنه التزام نحو الغير ، وقد ينشأ عنه أيضاً التزام مقابل في جانب ذلك الغير ( أنظر المادة 1371 من القانون المدني الفرنسي ) . مثل ذلك الفضولي ، فهو يقوم مختاراً بعمل يريد به مصلحة الغير دون أن يتعاقد معه على ذلك ، فيلتزم بان يستمر في العمل الذي بدأه وبأن يقدم حساباً عنه ، ومصدر هذا الالتزام هو العمل الاختياري المشروع الذي قام به . وقد ينشأ عن هذا العمل التزام آخر من جانب رب العمل ، فيلتزم هذا في حالة ما إذا أحسن الفضولي القيام بالعمل الذي أخذه على عاتقه بان يراد ما أنفقه الفضولي من مصروفات ضرورية ونافعة ، وبأن ينفذ ما عقده الفضولي من التزامات في سبيل القيام بمهمته ( أنظر المادة 1375 من القانون المدني الفرنسي ) .

والجريمة هي عمل ضار يأتيه فاعله متعمدا الأضرار بالغير ، كما إذا اتلف شخص عمداً مالا مملوكاً لغيره ، فينشأ عن هذا العمل الضار التزام في جانب فاعله بان يعوض عن المال الذي أتلفه .

وشبه الجريمة عمل يصيب الغير بالضرر كالجريمة ، ولكنه يختلف عنها في أنه غير مصحوب بنية الأضرار بالغير ، بل يأتيه فاعله عن إهمال وعدم احتياط ، فيلتزم بتعويض الضرر كما في الجريمة . فإذا قاد شخص سيارة بسرعة غير معتادة ، وتسبب عن ذلك أن دهس شخصاً في الطريق ، فإنه يلتزم بتعويض المصاب أو ورثته عن الضرر الذي أحدثه .

والقانون قد يكون أخيراً مصدراً للالتزام فينشئه في حالات معينة ، كما في التزامات أفراد الأسرة بعضها لبعض من نفقة ورضاع وحضانة ووصاية وقوامة إلى غير ذلك ، وكما في التزامات الجار نحو جاره .

هذه هي مصادر الالتزام ، وتذكر عادة على الترتيب المتقدم . وقد اتفق علماء الفقه الحديث على انتقاد هذا الترتيب ، ولكنهم اختلفوا في الترتيب الذي يجب الأخذ به ، ثم استقرت جمهرتهم على ترتيب معين .

وحتى نستوعب هذه المسألة الهامة نبحث أولاً من أين اتي هذا الترتيب الذي قدمناه ، ثم تبين وجوه النقد فيه ، وتخلص من ذلك إلى الترتيب الحديث لمصادر الالتزام .

1 – من أين الترتيب التقليدي لمصادر الالتزام


23 – القانون الروماني :



 لم يرد هذا الترتيب في القانون الروماني في عهده المدرسي ، فقد كان هذا القانون يرجع الالتزامات إلى نوعين من المصادر : الجريمة ( delicta ) وتنحصر في جرائم محددة ، والعقد ( contractus ) ويشتمل على عقود معينة على سبيل الحصر ، ثم إلى مصادر أخرى للالتزامات التي لا تنشأ من الجريمة ولا من العقد ، وهي مصادر مختلفة متفرقة لم يحاول القانون الروماني ترتيبها ، واسمها " الأسباب المختلفة " ( variae causarum figurae ) . 

هذا هو ترتيب القانون الروماني لمصادر الالتزام في عهده المدرسي . ولم يكن فيه شيء عن شبه العقد ولا عن شبه الجريمة . ولكن جاييس Gaius ، أحد فقهاء الرومان المعروفين ، رأى أن يضع الالتزامات التي تنشا من أعمال غير مشروعة إلى جانب الالتزامات التي تنشا من أعمال غير مشروعة إلى جانب الالتزامات التي تنشأ من الجرائم المحددة المعروفة ، بجامعة أن كلا من النوعين ينشأ من عمل غير مشروع ( [1] ) . والذي كان جاييس يعنيه هو اعتبار هذه الالتزامات كأنها تنشأ من جريمة ، لا من حيث مصدرها ، لأنها لا تنشأ من جريمة في الواقع من الأمر ، بل من حيث أثرها ، إذ هي في حكمها كالالتزامات التي تنشأ من الجرائم ، فلا تنتقل إلى ورثة المدين ويصح أن تجاوز حد الضرر الذي أحدثه العمل . والفرق واضح بين المعنيين ، إذ أن الشبه في المعنى الأول يقع على المصدر ، ويقع في المعنى الثاني على الأثر . وكان جاييس يقول عن هذه الالتزامات 
أن المدين فيه يلتزم كما لو كان يلتزم بجريمة ( quasi ex delicto tenetur ) .
 ورأى جاييس أيضاً أن يضع الالتزامات التي تنشأ من أعمال مشروعة إلى جانب الالتزامات التي تنشأ من العقود المعينة المعروفة ( [2] ) ، ويقصد المعنى الذي قصد إليه في الأعمال غير المشروعة ، فهي التزامات يلتزم بها المدين كما لو كان يلتزم بعقد ، فليست إذن في مصدرها تنشأ من شبه العقد ، بل هي التزامات كتلك التي تنشأ من العقد من ناحية الأثر . وإلا فالفرق كبير بين العقد وما يسمي يشبه العقد ، فالأول توافق إرادتين ، والثاني لا وجود لهذا التوافق فيه ، بل قد لا توجد الإرادة فيه أصلاً ، وكان يقول عن هذه الالتزامات
 إن المدين فيها يلتزم كما لو كان يلتزم بعقد ( quasi ex contractu tenetur ) .

ولم يلبث الفرق الدقيق بين المعنيين أن زاد دقة وغموضاً ، حتى ورد فيما كتبه جاييس نفسه ونقله عنه جستنيان ( justinien ) شيء من الخلط بينهما .

على أنه يلاحظ أن كلا من جاييس وجستنيان لم يستعمل لفظي " شبه العقد " و " شبه الجريمة " اللذين استعملهما بوتييه ( Pothier ) والقانون الفرنسي من بعده . 
وقد أخذ هذان اللفظان مدلولا آخر غير الي كان يعنيه جاييس من اللفظين المقابلين لهما في ترتيبه . وسنبين ذلك فيما يلي .


24 – القانون الفرنسي القديم :

أما ترتيب مصادر الالتزام في القانون الفرنسي القديم فتاريخه تحوير مستمر للنظيرة الرومانية حتى خرجت عن معناها الصحيح . 

ولم يلبث التعبير الروماني ( quasi ex delicto ) و ( quasi ex contractu ) أن انقلب فأصبح ( ex quasi delicto ) و ( ex quasi contractu ) . ولكن المعنى في أول الأمر لم يتغير واقتصر التحوير على اللفظ ، وإن كان " شبه العقد " اتسع نطاقه فأصبح يشمل مسائل أخرى كالقوامة والميراث .

وفي عهد أصحاب الحواشي ( glossateurs ) صارت مصادر الالتزام العقد وملحق العقد والجريمة وملحق الجريمة ومصادر أخرى متفرقة ( variae causarum figurae ) . فاستبقى " المحشون " المصادر الأربعة التي عرفت عند جاييس وجستنيان ، وزادوا عليها هذه المصادر المتفرقة التي جعلوها مستقلة عن ملحق العقد وملحق الجريمة حتى ينسبوا إليها الالتزامات التي لا يمكن ارجاعها إلى مصدر من المصادر الأربعة الأولى كما في دعوى الاسترداد بسبب السرقة ( condictio furtive ) .

أما المدرسة البارتولية فقد حملها روح التحليل المنطقي التي اشتهرت بها على بحث الأساس الذي بنيت عليه الالتزامات الناشئة من " ملحق العقد " . 
وكان رأي بارتول ( Bartole ) أن ملحق العقد هذا ليس مبنيا على إرادة حقيقية أو مفترضة ، بل هو مبنى على إرادة وهمية خلقها القانون . وهذه هي الخطوة الأولى في تقريب " ملحق العقد " من العقد واخراج هذا التعبير الأول عن المعنى الذي قصد إليه الرومان .

ثم تلى ذلك الخطوة الثانية ، وأصبح " ملحق العقد " يتضمن إرادة مفترضة تقربه من العقد الذي يتضمن إرادة حقيقية . وهكذا ابتعدنا عن النظرية الرومانية وانفرجت مسافة الخلف بين النظريتين . فالنظرية الرومانية كانت ترى " ملحق العقد " هو العمل المشروع الذي ليس بعقد ، أي أن الفركة الأساسية فيه هي أن تنتفي عنه صفة العقد . أما الآن " فالملحق بالعقد " هو عمل مشروع يقرب من العقد في أن كلا منهما ليس عملا مشروعاً فحسب ، بل هو أيضاً مبنى على إرادة : حقيقية في العقد ومفترضة في ملحق العقد . ومن ثم لصقت صفة العقد بملحق العقد ، وأصبح هذا " شبه عقد " .

ثم أتي بوتييه فجعل مصادر الالتزام خمسة : العقد وشبه العقد والجريمة وشبه الجريمة والقانون .

25 – قانون نابليون :


 وانتقل الترتيب الذي أتى به بوتييه إلى قانون نابليون على علاته . 
فجعل هذا القانون مصادر الالتزام خمسة هي المصادر ذاتها التي قال بها بوتييه .

وسلم كثير من فقهاء القانون المدني الفرنسي في أول الأمر بهذا الترتيب ، ولم يعرضوا له بنقد ، بل جعلوه أساساً لتعليقاتهم وشروحهم .


2 - نقد الترتيب التقليدي لمصادر الالتزام

26 – نقد الأستاذ بلانيول ( [3] ) :Planiol, Marcel




يرى الأستاذ بلانيول ( Planiol ) أن تقسيم العمل غير المشروع باعتباره مصدراً للالتزام إلى جريمة وشبه جريمة ، بحسب وجود نية التعمد أو انعدامها ، لا أهمية له ، لا من حيث نشوء الالتزام ولا من حيث ما يترتب عليه من الأثر . فشبه الجريمة ينشيء التزاماً كالجريمة سواء بسواء ، والتعويض يدفع كاملا في الحالتين .

أما شبه العقد فهو في نظر الأستاذ بلانيول تعبير مضلل . ذلك أن أصحاب الترتيب التقليدي يزعمون أن شبه العقد قريب من العقد في أنه عمل إرادي ، وبعيد عن الجريمة وشبه الجريمة في أنه عمل مشروع . والواقع عكس ذلك تماماً ، فشبه العقد بعيد عن العقد لأنه غير إرادي ، وقريب من الجريمة وشبه الجريمة لأنه غير مشروع .

أما أن شبه العقد عمل غير إرادي ، فيظهر هذا من أن الالتزام الناشيء من شبه العقد ليس على أية صورة من الصور وليد الإرادة – بله توافق الإرادتين – فهو قد ينشأ رغم إرادة الملتزم ، لذلك لا يشترط توافر الأهلية فيه ، بينما يشترط توافرها في المتعاقد لأن التزامه لا ينشأ إلا بإرادته . وإذا كنا في شبه العقد قد تصادف عملا ارادياً في مبدأ الأمر ، كما إذا أقام شخص بناء على أرض الغير فينشأ التزام في ذمة صاحب الأرض بان يرد ما أثرى به على حساب صاحب البناء ، فإن هذا العمل الارادي ليس هو الذي خلق الالتزام ، وليس من صدرت منه هذه الإرادة هو الملتزم ، بل الملتزم هو الشخص الذي لم تصدر منه أية إرادة ، وهو صاحب الأرض الذي فوجئ بالبناء مقاماً على أرضه .

وأما أن شبه العقد عمل غير مشروع ، فيظهر هذا إذا تعمقنا في تحليل الالتزام الذي ينشأ من شبه العقد . فإننا نقف عادة عند العمل الذي يبدأ به شبه العقد . وهذا العمل مشروع دون شك . فمن يدفع ديناً غير موجود أو يقيم بناء على أرض الغيار يقوم بأعمال مشروعة . ولكن هذا العمل المشروع ليس هو الذي ينشيء الالتزام ، فإن الملتزم ليس هو الشخص الذي دفع الدين أو أقام البناء ، ومعروف أن سبب الالتزام يتصل بشخص المدين لا بشخص الدائن . فإذا أردنا أن نعرف سبب الالتزام ملتمسين إياه متصلا بشخص المدين ، وجدنا أن هذا السبب في الحالتين المتقدمتين وفي الحالات الأخرى المماثلة يرجع إلى إثراء المدين دون سبب على حساب الدائن ، فوجب عليه أن يرد للدائن ما أثرى به على حسابه . فالإثراء دون حق هو إذن مصدر الالتزام ، وهو عمل غير مشروع .

ويتبين من ذلك أن شبه العقد ليس بالعمل الإرادي ولا بالعمل المشروع كما يزعمون .


27 – رأي الأستاذ بلانيول في ترتيب مصادر الالتزام :
ثم يقدم الأستاذ بلانيول أساس لترتيب آخر ، فيذهب إلى أن للالتزام مصدرين اثنين : العقد والقانون . ويرد شبه العقد والجريمة وشبه الجريمة جميعاً إلى القانون .

ذلك أن الالتزامات التي تنشأ من هذه المصادر الثلاثة ليست إلا التزامات جزائية قامت بسبب الإخلال بالتزامات قانونية . ففي شبه العقد يثري شخص على حساب غيره ، فيخل بالتزام قانونين هو ألا يثري دون حق على حساب الغير ، وينشأ عن الإخلال بهذا الالتزام القانونين التزام جزائي هو رد ما أثرى به . وفي الجريمة وشبه الجريمة يحدث شخص ، بخطأه العمد أو غير العمد ، ضرراً للغير ، فيخل بالتزام قانونين هو إلا يضر الغير بخطأه ، وينشأ عن الإخلال بهذا الالتزام القانوني التزام جزائي هو تعويض الضرر الذي أحدثه .

والذي يميز هذه الالتزامات الجزائية هو إنها ليست كالالتزامات القانونية درءاً لضرر قد يقع في المستقبل ، بل هي تعويض عن ضرر قد وقع في الماضي على أنه يلاحظ أنه هذه الالتزامات الجزائية إنما هي في الواقع الالتزامات القانونية ذاتها قد استحالت إلى تعويض ، على الوجه الذي نراه في الإلتزمات التعاقدية عندما تستحيل هي أيضاً إلى تعويض إذا لم يكن تنفيذها عيناً . فكل التزام غير تعاقدي يكون التزاماً قانونياً ، إما في صورته الأصلية ، وإما في صورة استحال فيها إلى تعويض . وهو في الصورة الأولى يراد به درء ضرر قد يقع ، وفي الصورة الثانية يراد به التعويض عن ضرر قد وقع .


28 – تقدير رأي الأستاذ بلانيول في ترتيب مصادر الالتزام :


 هذا هو الرأي الذي يقدمه الأستاذ بلانيول في ترتيب مصادر الالتزام . وهو رأي خلاب ، بسيط المظهر ، سهل الفهم . ولكن حظه من الابتداع أقل مما يظهر لأول وهلة . فقد سبقه تولييه ( Toulier ) ( [4] ) إلى نقد الترتيب التقليدي لمصادر الالتزام نقداً جدياً ، وبين في وضوح وجلاء : ( أولاً ) أن مصادر الالتزام لا تعدو أن تكون الاتفاق أو القانون . ( ثانياً ) أن الالتزامات التي يكون مصدرها القانون أما أن تستند إلى القانون رأساً وإما أن تنشأ على اثر عمل صادر من المدين أو الدائن . ( ثالثاً ) أن ما يسميه القانون بشبه العقد إنما يرجع إلى قاعدة عادلة هي عدم مشروعية الإثراء على حساب الغير ، وأن المشرع كما ألزم من يأتي بعمل غير مشروع تعويض الضرر الذي يحدث من هذا العمل ، ألزم كذلك من يثري بعمل مشروع على حساب غيره أن يرد إلى هذا الغير ما أثرى به على حسابه ، وهذا تقابل منطقي عادل .

ولكن بلانيول كان مبتدعا عندما أوجد الصلة بين الالتزامات القانونية والالتزامات التي تنشأ من الجريمة وشبه الجريمة وشبه العقد . فهذه الالتزامات الأخيرة كما يقول ما هي إلا التزامات قانونية استحالت إلى تعويض مالي . وكان مبتدعا كذلك عندما ارجع كل هذه الالتزامات غير التعاقدية إلى فكرتين اساسيتين : درء خطر قد يقع ، أو التعويض عن ضرر قد وقع .

على أنه بالرغم من روعة ما في هذا التحليل من جدة وبساطة ، فليس فيه ما يلقى كثيراً من الضوء على ترتيب مصادر الالتزام . إذ نكاد نكون بعد نظرية بلانيول حيث كنا قبلها ، لم نتقد م خطوة كبيرة إلى الأمام . فهي أقرب إلى التعليل منها إلى التحليل ، لأنها توضح علة وجود الالتزامات أكثر مما تبين مصدر نشوئها .

هذا هو بوجه إجمالي موضع الضعف في نظرية الأستاذ بلانيول . وإذا أردنا نقد تفاصيلها أخذنا عليها ما يأتي :

 ( أولاً ) إذا صح أن القانون مصدر لكل الالتزامات غير التعاقدية ، فهو مصدر غير مباشر بالنسبة إلى بعضها ، ومصدر مباشر بالنسبة إلى بعض آخر ( [5] ) . وكان الأولى أن يبرز العمل كما برز العقد مصدراً مستقلا من مصادر الالتزام .

 ( ثانياً ) بالغ الأستاذ بلانيول في تأكيده بأن شبه العقد عمل غير مشروع ، مع أن القول بأنه عمل مشروع لا يخلو من الوجاهة . ذلك أن المثرى على حساب الغير إنما يلتزم بعمل إذا نظرنا إليه في أصله كان مشروعاً ، وإذا نظرنا إليه في نتيجته كان غير مشروع . فهو عمل يتسبب عنه إثراء على حساب الغير . فيبقى العمل في ذاته مشروعاً وإن تسببت عنه نتيجة غير مشروعة .

على أنه من الانصاف أن يقال أن لبلانيول فضلا كبيراً في توجيه نظر الفقهاء إلى عيوب الترتيب التقليدي لمصادر الالتزام . وقد اجمع الفقهاء ، على اثر الحملة التي قام بها ، على نقد هذا الترتيب ، وما لبثوا أن هجروه إلى ترتيب حديث ، ننتقل الآن إليه .

3 – الترتيب الحديث لمصادر الالتزام


29 – القانون المدني القديم :


نص القانون المدني القديم في المادتين 93 / 147 على أن " التعهدات إما أن تكون ناشئة عن اتفاق أو عن فعل أو عن نص القانون " . وهذا الترتيب خير بكثير من الترتيب الذي أتى به القانون الفرنسي . فقد تجنب أكثره وجوه النقد التي توجه إلى الترتيب الأخير ، فلم يفرق بين الجريمة وشبه الجريمة ، ولم يجعل ما يسمي " بشبه العقد " مصدراً للالتزام ، بل جمع المصادر التي وزعها القانون الفرنسي بين شبه العقد والجريمة وشبه الجريمة في مصدر واحد وأسماه " فعلا " ( fait ) ، وأبقى العقد والقانون مصدرين مستقلين .

وكل ما يمكن أن يوجه للقانون المصري القديم من النقد أنه لم يبين ما ينطوي تحت كلمة " الفعل " من معان . فالفعل إما أن يكون من شأنه أن يفقر الدائن دون حق ، وهذا هو العمل غير المشروع . وإما أن يكون من شأنه أن يغني المدين دون سبب ، وهذا هو الإثراء بلا سبب . وهكذا يتكشف عن " الفعل " مصدران لا مصدر واحد ، كان فصل أحدهما عن الآخر أجلى بياناً وأوسع إحاطة .


30 – التقنينات الحديثة والفقه الحديث :

 وإذا رجعنا إلى التقنينات الحديثة ، كالتقنين الألماني والتقنين السويسري والمشروع الفرنسي الإيطالي والتقنين الإيطالي الجديد ، وأردنا أن نستخلص منها ما توخته من ترتيب لمصادر الالتزام ، أمكن أن يقال في شيء من التعميم إن المصادر التي أقرتها هذه التقنينات خمسة : العقد والإرادة المنفردة والعمل غير المشروع والإثراء بلا سبب والقانون .

ويشترك هذا الترتيب الحديث مع الترتيب القديم في مصدرين هما العقد والقانون . أما الجريمة وشبه الجريمة فيجتمعان في " العمل غير المشروع " . وشبه العقد في الترتيب القديم يقابله الإثراء بلا سبب وريد الحديث الإرادة المنفردة مصدراً للالتزام .
وهذا الترتيب هو الذي أخذ به أكثر الفقهاء في الفقه الحديث ( [6] ) .


31 – التقنين المدني الجديد :


ويلاحظ أن التقنينات الحديثة لا تورد في نص خاص مصادر الالتزام مرتبة هذا الترتيب الخماسي الذي تقدم ذكره ، بل إن هذا الترتيب يستخلص من التبويب الذي اتخذته هذه التقنينات . وعلى هذا النحو جرى التقنين المدني الجديد ، فلم يورد نصاً خاصاً يقر فيه أي ترتيب معين ، بل اقتصر على عرض مصادر الالتزام المختلفة في فصول متعاقبة ، مرتبة على النحو المتقدم ، وقد ورد في هذا الصدد في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي ما يأتي :

 " والواقع أن تحدث التقنينات ، ولاسيما ما كان منها جرماني النزعة . لا يورد في النصوص تقسيما للمصادر . بل إن المشروع الفرنسي الإيطالي ذاته ، على شدة تأثره بالنزعة اللاتينية ، انتهى إلى الإعراض عن كل تقسيم فقهي ، ونعي على التقسيم الذي اتبعه التقنين الفرنسي قصوره وفساده ومجانبته للمعقول . وقد برر واضعو المشروع الفرنسي الإيطالي إعراضهم عن كل تقسيم ونبذهم للأحكام الحالية الواردة في المادة 1370 من التقنين المدني الفرنسي والمادة 1097 من التقنين المدني الإيطالي بان التقسيم الذي اتبعه هذان النصان أليق بأغراض التعليم منه بأغراض النصوص التشريعية . واستطرد التقرير الخاص بالمشروع المتقدم ذكره قائلا : " والخلاصة أن الفقه بوسعه أن يجري على التقسيم التقليدي أو أن يحل محله تقسيماً أكثر اتفاقاً مع المعقول ، والنتيجة أن إسقاط التقسيم من المشروع قد ازال من النصوص عقبة تحول دون حرية اجتهاد الفقه في الإبداع والتصور " . وقد رؤى من الأنسب اقتفاء اثر المشروع الفرنسي الإيطالي وتقنينات حديثة أخرى ، فلم يقتصر الأمر على الإعراض عن التقسيم البالي الذي اتبعه التقنين الفرنسي العتيق ، بل جاوز ذلك إلى العدو عن إقرار أي تقسيم رسمي في النصوص . وعلى هذا النحو قنع المشروع بعرض مصادر الالتزام المختلفة دون أن يجهد في ردها إلى أقسام جامعة شاملة في نص خاص . فعمد ، نسجاً على منوال أحدث التقنينات ، إلى البدء بأحكام العقد والإرادة المنفردة ( [7] ) ، ثم تناول العمل غير المشروع والإثراء بلا سبب ، وانتهى بالالتزامات التي تنشأ مباشرة من نص القانون ( [8] ) " .


32 – أساس علمي لترتيب مصادر الالتزام ومصادر الحقوق بوجه عام :


 تبين مما تقدم أن التقنينات الحديثة جعلت مصادر الالتزام خمسة : العقد والإرادة المنفردة والعمل غير المشروع والإثراء بلا سبب والقانون .

وهذا الترتيب تغلب فيه الناحية العملية ، وينقصه الأساس العلمي الذي يرتكز عليه . فلا يكفي أن نقول إن هذه هي مصادر الإلتزام ، بل يجب إرجاع هذه المصادر إلى أصول علمية منطقية .
ونحن إذا أردنا أن نرجع مصادر الالتزام إلى ترتيب منطقي ، وفهمنا أن المراد بالمصدر هو السبب القانونين الذي ينشيء الالتزام ، وجدنا عند التأمل أن الأسباب القانونية التي تنشيء الالتزامات ليست مقصورة على هذه الدائرة – دائرة الحقوق الشخصية – بل هي تتناول أيضاً الحقوق العينية ، بل تجاوز قانون الأموال إلى قانون الأسرة ، بل هي تحلق في سماء القانون ، وتنشيء كل العلاقات القانونية أو تؤثر فيها ، سواء كانت هذه العلاقات ترجع إلى القانون الخاص أو إلى القانون العام .
ومن الواضح أن السبب الذي ينشيء علاقة قانونية أو يؤثر فيها هو أمر يجد فيحدث تعديلا في العلاقات القانونية الموجودة . ولو كان لنا أن نتصور أن الأرض كفت عن الدوران ، وأن كل مخلوق عليها ركن إلى السكون أمكن أن نقول إن العلاقات القانونية تبقى على حالها دون تغير في الوقت الذي تجمد فيه كل حركة . فإذا حدثت بعد ذلك أية حركة ، فقد يكون من شأنها أن تعدل في هذه العلاقات . هذه الحركة التي وقعت نسميها " بالواقعة " . فإذا كان من شأنها أن تنتج أثراً قانونياً سميت " بالواقعة القانونية " ( fait juridique ) . وهي إما أن تكون راجعة لإرادة الإنسان ، وإما ألا ترجع لهذه الإرادة .
فهبوب العواصف ، وانفجار البراكين ، ودوران الأرض ، كل هذه وقائع لا ترجع لإرادة الإنسان ، بل هي من عمل الطبيعة . وقد تؤثر في العلاقات القانونية الموجودة : هبوب العواصف أو انفجار البراكين قد يكون قوة قاهرة تعفى المدين من التزامه . ودوران الأرض حول نفسها يعين ساعات تنفيذ الالتزام في عقد العمل . ودورانها حول الشمس يحصي عدد السنين اللازمة للتملك بالتقادم .
والوقائع التي ترجع لإرادة الإنسان أكثرها أعمال مادية ، قد يريد صاحبها أن يحدث بها أثراً في الروابط القانونية الموجودة أو لا يريد ذلك . فهو يأكل ويمشي ويتحدث ويعاشر الناس ويجاملهم ، وهو لا يريد عادة من وراء هذا أن يؤثر في علاقاته القانونية . ولكن هذه العلاقات قد تتأثر دون أن تتجه إرادته إلى شيء من ذلك . فإذا أكل شيئاً لا يملكه أصبح مسئولا عن تعويض المالك . وإذا مشي دون حيطة فأتلف شيئاً وجب عليه أن يعوض عما اتلف . وإذا تحدث فذكر مثالب للغير فقد يكون هذا سباً أو قذفاً يجعله مسئولا . وإذا جامل الغير فقام ببعض شؤونهم فقد يجد نفسه ملزماً باتمام ما بدأ به ويكون دائناً لهذا الغير بمقدار ما كلفه العمل . ويلاحظ أنه في الوقائع المتقدمة قد قام الشخصي بأعمال مادية اختيارية ، أراد النتائج التي ترتبت عليها في بعض الفروض ، ولكنه في أكثر الفروض لم يرد شيئاً من هذه النتائج .
وهناك من الوقائع التي ترجع لإرادة الإنسان ما ليس بأعمال مادية ، بل هي أعمال إرادية . ونريد بالعمل الإرادي هنا عمل الإرادة المحضة تتجه إلى إحداث نتائج قانونية معينة . مثل هذه الوقائع تسمي إعمالاً قانونية ( actes juridiques ) تمييزاً لها عن الأعمال المادية . ومنها ما يرجع لإرادة الشخص منفرداً كالوصية والوقف والوعد بجائزة ( الجعالة ) ، 
ويسمي بالعمل القانونين الصادر من جانب واحد ( acte juridique unilateral ) ، ومنها ما يرجع لارادته مقرونة بارادة طرف آخر ، 
وهذا هو العقد ( acte juridique bilateral, contrat ) .
من ذلك نرى أن الوقائع هي مصادر الروابط القانونية . والوقائع إما أن تكون طبيعية ( faits naturels ) أو اختيارية ( faits rolontaires ) . والوقائع الاختيارية إما أن تكون إعمالاً مادية ( actes materielgs ) أو إعمالاً قانونية ( actes juridiques ) . والأعمال القانونية إما أن تكون صادرة من جانب واحد ( actes juridiques ) . والأعمال القانونية إما أن تكون صادرة من جانب واحد ( actes unilatreaux ) أو صادرة من الجانبين ( actes bilatreaux, contrats ) والقانون من وراء كل ذلك محيط ، فهو الذي يحدد الآثار القانونية التي تترتب على الوقائع والأعمال جميعاً .
ويلاحظ في هذا الترتيب إننا تدرجنا من الأعم إلى الأخص . فالوقائع القانونية تشمل الوقائع الطبيعية والوقائع الاختيارية ، والوقائع الاختيارية تشمل الأعمال المادية والأعمال القانونية . والأعمال القانونية تشمل الأعمال الصادرة من جانب واحد والأعمال الصادرة من الجانبين .


33 – تطبيق هذا الترتيب على مصادر الحقوق العينية :


المعروف أن أسباب كسب الحقوق العينية سبعة : الاستيلاء والميراث والوصية والالتصاق والعقد والشفعة والحيازة .

فإذا رتبنا هذه الأسباب على النحو الذي قدمناه كان منها الوقائع الطبيعية ، وهي الميراث وأسباب الأخذ بالشفعة والتقادم . ومنها الأعمال المادية ، وهي الاستيلاء والالتصاق والحيازة . ومنها الأعمال القانونية ، بعضها عمل صادر من جانب واحد وهي الوصية وإعلان الرغبة في الأخذ بالشفعة ، وبعض آخر عمل صادر من الجانبين ، وهو العقد ( [9] ) .


34 – تطبيق الترتيب على مصادر الالتزام :

ونطبق هذا الترتيب العلمي على مصادر الالتزام . فالوقائع الطبيعية كالجوار والقرابة يرتب عليها القانون التزامات معينة لاعتبارات ترجع للعدالة والتضامن الاجتماعي . لذلك يصح إسناد هذه الالتزامات للقانون مباشرة فيكون هو مصدرها .

والأعمال المادية قسمان : القسم الأول أعمال غير مشروعة تصدر من المدين فتفقر الدائن دون حق فيلتزم المدين بالتعويض ، ومصدر هذا الالتزام هو العمل المادي الضار . والقسم الثاني أعمال مشروعة تغني المدين على حساب الدائن فيلتزم المدين أن يرد ما اغتنى به ، ومصدر هذا الالتزام هو العمل المادي النافع .


والأعمال القانونية إما ان تكون صادرة من الجانبين وهذا هو العقد ،أو صادرة من جانب واحد وهذه هي الإرادة المنفردة.

ومن ذلك نرى ان العقد والإرادة المنفردة تتضمنها الاعمال القانونية. وهذه يقابلها الاعمال المادية ويدخل فيها العمل غير المشروع والاثراء بلا سبب. وكل من الاعمال القانونية والاعمال المادية وقائع اختيارية تقابلها الوقائع الطبيعية وهذه هي التي تنسب للقانون.





 ( [1] ) فألحق بالجرائم المعروفة ، ومنها السرقة والغش والتهديد ، إعمالاً أخرى غير مشروعة ، كاخلال القاضي بواجبات وظيفته ووقوع الشيء من نافذة منزل ، فتصيب الغير بالضرر .


 ( [2] ) فألحق بالعقود المعروفة ، ومنها البيع والإيجار والقرض والعارية والمقايضة والقسمة ، إعمالاً ووقائع أخرى مشروعة كعمل الفضولي ودفع غير المستحق وحالة الجوار ومركز الشخص في أسرته فيما يترتب على هذه الوقائع من التزامات .

 ( [3] ) أنظر مقاله في المجلة الانتقادية ( Revue Critique ) سنة 1904 ص 224 وما بعدها . وانظر أيضاً مختصره في القانون المدني جزء 2 فقرة 806 وما بعدها .

 ( [4] ) تولييه 11 فقرة 2 ، وما بعدها . ولعل تولييه هو أول من نقد الترتيب الذي أتى به قانون نابليون نقداً جدياً ، ويحس القارئ في كتابته الدقة والتعمق عند معالجته هذا الموضوع . وقد انصف بلانيول تولييه حين ذكر عنه ما يأتي : " . . . إن هاتين الصفحتين من كتابه ، وهما صادرتان عن تفكير قوي وتعبير متين ، لم يلفتا نظر من جاء بعدهع من الفقهاء . ولا ندري كيف أن " بمولومب ، وهو الذي استعان كثيراً بكتاب تولييه في هذا الموضوع ، لم يخلص منه بفائدة . فإننها إذا لم نقرأ آراء تولييه إلا عن طريق ما اقتبسه منه ديمولومب لا تحزر أن تولييه قد أتى بهذه الآثار العميقة المنتتجة " ( بلانيول 2 فقرة 811 هامش رقم 1 ) .

 ( [5] ) إذا قلنا أن القانون مصدر مباشر لبعض الالتزامات فإننا نقصد بذلك أن هذه الالتزامات لا نزال تتولد من وقائع قانونية ، شأنها في ذلك شأن الالتزامات التي تتولد من العقد ومن العمل غير المشروع . ومن الإثراء بلا سبب ، ولكنها لا تتولد عن هذه الوقائع إلا في حالات خاصة ينص عليها القانون بطريق مباشر .

 ( [6] ) ويذهب الدكتور حلمي بهجت بدوي بك ( أنظر كتابه في أصول الالتزامات ص 36 – ص 40 ) إلى أنه لا يوجد إلا مصدران للالتزام : الإرادة والقانون . ولكنه يختلف اختلافاً جوهرياً عن القائلين بالترتيب الثنائي . فعنده أن الالتزام العقدي يتحلل إلى التزامين مستقلين لكل منهما مصدر خاص : الدين ومصدره الإرادة ، وإجبار المدين على الوفاء ومصدره القانون . وهذا الالتزام الثاني هو المسئولية العقدية . وهو يذهب إلى أن المسئولية العقدية ، كغيرها من أحوال المسئولية الأخرى ، مصدرها القانون . فالقانون يقضي بالمسئولية إذا اخل المتعهد بالوفاء بتعهده ، وإذا أضر الإنسان بغيره ، وإذا أثرى على حساب غيره ، وإذا تدخل في شؤون غيره . . .
  ولا نطيل القول في نقد هذا التقسيم فإن المؤلف نفسه لم يلتزمه . ونجتزئ بالإشارة إلى أن عيبه الجوهري في رأينا هو أن المؤلف يذهب إلى أن مصدر المسئولية العقدية يختلف عن مصدر الدين العقدي . والصحيح أن المسئولية العقدية والدين العقدي لهما مصدر واحد هو الإرادة . ذلك أن المدين في العقد إنما أراد أن يرتب في ذمته دينا وأراد أيضاً أن يكون لدائنه حق إجباره على الوفاء بهذا الدين ، والقانون يأتي بعد ذلك يقر هذه الإرادة في شقيها ، شق المديونية وشق المسئولية . فلا محل مطلقاً للتمييز ما بين المديونية والمسئولية من حيث المصدر . وقد رأينا فيما تقدم أن الألمان يميزون ما بين المديونية والمسئولية في الالتزام العقدي ولكنهم لا يجعلون أحدهما يختلف في مصدره عن الآخر . فلا يمكن الاستناد إذن إلى النظرية الألمانية للدفاع عن هذا التقسيم .

 ( [7] ) وسنرى أن الإرادة المنفردة ، إذا كان المشروع التمهيدي قد اعتبرها مصدراً عاماً للالتزام كالعقد والعمل غير المشروع والإثراء بلا سبب ، إلا إنها في المشروع النهائي ، ثم في التقنين الجديد ، لم تصبح مصدراً للالتزام إلا في حالات خاصة يعنيها نص في القانون . ومن ثم أصبحت الالتزامات التي مصدرها الإرادة المنفردة في القانون الجديد إنما هي التزامات أنشأها القانون بطريق مباشر بمقتضى نصوص خاصة ، وقد عالجناها ضمن الالتزامات التي تنشأ من القانون .

 ( [8] ) مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 3 هامش رقم 1 .




 ( [9] ) وهذا الترتيب الذي توخيناه تظهر فيه مزيتان متصلتان بأسباب كسب الحقوق العينية :

 ( الأولى ) أنه يفسر بعض المسائل الغامضة . فكثيراً ما يناقش الفقهاء هل الشفعة حق عيني أو هي شيء غير ذلك . كما يتناقشون في طبيعة الحيازة وهل هي حق عيني . ونحن لا نتردد في الإجابة على هذه المسائل بما قدمناه . فلا الشفعة ولا الحيازة بحق عيني أو حق شخصي ، بل هما واقعتان قانونيتان تدخلان في أسباب كسب الملكية . فهما إذن ليسا بحقوق ، بل هما مصدر للحقوق . ولا يصح أن يقال عن أي منهما أنه حق عيني أو حق شخصي بالقدر الذي لا يصح أن يقال به إن العقد ، وهو أيضاً مصدر للحقوق ، حق عيني أو حق شخصي . والأهمية العملية لعدم اعتبار الشفعة حقاً أنه لا يجوز لدائني الشفيع أن يستعملوا الشفعة باسم مدينهم .

والذي ضلل الناس في أمر الشفعة هو إنها تجعل الشفيع بالنسبة إلى العين المشفوع فيها في منزلة من له الحق في أن يتملكها . وهذه منزلة وسطى بين مجرد الرخصة في التملك ، حيث يكون الشخص اجنبياً عن الشيء ، وحق الملكية الكامل ، حيث يكون للشخص حق عيني في الشيء . ونظير ذلك شخص صدر له إيجاب بالبيع ، فهو أيضاً في منزلة وسطى بين من له مجرد الرخصة في الشراء قبل صدور الإيجاب وبين الشمتري الذي أصبح مالكا عند تمام البيع . وقد نبه فقهاء الشريعة الإسلامية إلى هذه المنزلة الوسطى ، ووصفوها بأنا حق الشخص في أن يتملك ، أو كما يقول القرافي في الفروق " من انعقد له سبب المطالبة بالملك " ويفرق بين هذا وبين " من ملك أن يملك " 
( الفروق للقرافي المطبعة التونسية سنة 1302 الجزء الثالث ص 28 – ص 31 – النظرية العامة للالتزامات في الشريعة الإسلامية للدكتور شفيق شحاته فقرة 322 ص 265 وما بعدها ) .

والقائلون بانتقال الشفعة إلى الورثة يعنون بذلك أن الحق في التملك بسبب الشفعة – وهو كما قلنا منزلة وسطى بين مجرد الرخصة والحق الكامل – ينتقل بالميراث ، ونظير ذلك أن ينتقل حق من وجه إليه الإيجاب إلى ورثته بعد موته فيقبلون بدلا منه ، وسنرى أن هذا الحق لا ينتقل إلى الورثة وأن الإيجاب يسقط بموت من وجه إليه هذا الإيجاب .

 ( الثانية ) أن هذا الترتيب يزيل لبسا نشأ من عدم الدقة في تعريف العمل المادي والعمل القانوني . فقد جرت الفقهاء على أن تعرف العمل المادي بأنه واقعة اختيارية لا يقصد منها صاحبها النتيجة القانونية التي تترتب عليها ، أما العمل القانوني فواقعة اختيارية يقصد نتيجتها القانونية فإذا سلمنا بهذا التعريف تساءلنا أين إذن نضع الاستيلاء والحيازة ؟ نضعها طبقاً للتعريف المتقدم في الأعمال القانونية لأن القائم بهما يقصد ما يترتب عليهما من النتائج . ولكن القول بهذا يخالف المعقول ، فمن غير الممكن التسليم بان الاستيلاء والحيازة من الأعمال القانونية ، لذلك يخرجهما بعض الفقهاء من دائرة هذه الأعمال بتعليلات مشكوك في وجاهتها ( أنظر ديموج 1 ص 12 – ص 26 ) . ولا شك في أن الاستيلاء والحيازة أعمال مادية . لذلك وجب أن تصحح تعريف العمل المادة والعمل القانوني . فالأول هو عمل مادي يقع من الإنسان باختياره ، سواء أراد النتيجة القانونية التي تترتب عليه أو لم يرد . فالعمل الضار هو عمل مادي اختياري لا يريد صاحبه ما يترتب عليه من النتائج القانونية ، والاستيلاء عمل مادي اختياري يريد صاحبه هذه النتائج ، والالتصاق والفضالة من الأعمال المادية الاختيارية التي قد يريد صاحبها نتائجها القانونية وقد لا يريدها . أما العمل القانونين فليس بعمل مادي ، بل هو إرادة محضه تتجه لإحداث نتيجة قانونية معينة . فالذي يميز إذن بين العمل المادي والعمل القانونين ليس هو كما يظن الكثيرون أن الأول لا تقصد نتيجته القانونية ، والثاني تقصد منه هذه النتيجة ، ولكن المميز بين العملين هو أن الأول مادي والثاني غير مادي أو هو مجرد إرادة تتجه لإحداث اثر قانوني .

على أنه يمكن تمييز طائفة ثالثة منم الوقائع القانونية تصح تسميتها بالوقائع المركبة والوقائع المختلطة . فإذا كانت الواقعة القانونية تتركب من واقعة مادية وعمل قانوني ، كانت مركبة ( complexe ) . مثل ذلك الشفعة اقترن فيها بيع العين المشفوعة مع الشيوع أو الجوار ، وهذه واقعة مادية ، بإعلان الشفيع رغبته في الأخذ بالشفعة ، وهذا عمل قانونين . أما إذا كانت الواقعة القانونية شيئاً واحداً ولكن اختلط فيه العنصر المادي بعنصر الإرادة ، كانت الواقعة مختلطة ( mixte ) . مثل ذلك الاستيلاء اختلطت فيه الحيازة المادية ، وهي عنصر مادي ، بإرادة المستولى في أن يتملك في الحال ، وهي عنصر إرادي ، ولكن العنصر المادي هنا هو المتغلب . ومثل ذلك أيضاً الوفاء اختلط فيه تسليم الشيء الواجب الأداء ، وهو عنصر مادي ، بالاتفاق على انقضاء الدين ، وهو عنصر إرادي ، ولكن العنصر الإرادي هو المتغلب.



تذكار الفخار :
الأستاذ الدكتور/حسن علي الذنون 

"من لا يخلص لوطنه لا يخلص في عمله، ومن لا يخلص في عمله لا يخلص لوطنه ، فالعلاقة بين العمل والوطن ديناميكية أساسية وتنطوي على منظومة من القيم السامية"

الأستاذ الدكتور/حسن علي الذنون
- فقيه القانون-يعدُّ من الرواد -العراق .مواليد:الموصل سنة 1911
- -توفاه الله في السابع من يناير 2014 -كان من المعاصرين -وبمثابة تلميذ- للسنهوري وقد أخذ منه ورجع إليه السنهوري في الكثير عند كتابة موسوعته :الوسيط في شرح القانون المدني للمقارنة بين القوانين العربية

مواضيع ومجالات مقترحة

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"

أهلا وسهلا بك زائرنا المحترم
هذا العمل هو عمل متنامي يتطور باستمرار لاتحرمنا من ثواب مشاركتك أو متابعتك
بقدر ما تستطيع انشر وشارك المقالات مع معارفك واصدقاءك
فهذا ما يجعلنا نستشعر الاهتمام والتشجيع
فأعط لغيرك إمكانية الاستفادة والتعلم والبحث


ديوان صوت القوانين موقع صوت القوانين

×