واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله

شروح السنهوري -مرحبا بكم - نرجو لكم الاستفادة والنفع من الوسيط في شرح القانون المدني

آخر الشروح

الأربعاء، 5 أغسطس 2015

الرئيسية الاتجاهات العامة للتقنين المدني

الاتجاهات العامة للتقنين المدني

( 4 )
الاتجاهات العامة للتقنين الجديد
( موقف التقنين الجديد من الاتجاهات العامة للتقنينات الحديثة )
( التقنين الجديد بين الاستقرار والتطور ، وبين الفرد والجماعة )
***

أ- موقف التقنين الجديد

من الاتجاهات العامة للتقنينات الحديثة

يحسن ، حتى نرسم موقف التقنين الجديد من الاتجاهات العامة للتقنينات الحديثة ، أن نبين أولا أهم هذه الاتجاهات . ويمكن ردها إلى اتجاهين رئيسيين :


 ( الاتجاه الأول ) يتعلق بالمدى الذى يسلم به تقنين معين بمبدأ سلطان الإرادة ، والحد الذى يفصل فى هذا التقنين ما بين المنطقة التى تنظمها الإرادة والمنطقة التى ينظمها القانون . 

( والاتجاه الثانى ) يتعلق بمقدار ما ينطوى عليه تقنين معين من نزعة ذاتية tendance subjective ، ومقدار ما ينطوى عليه من نزعة موضوعية tendance objective ، وأية نزعة من هاتين النزعتين هى المتغلبة على الأخرى فى هذا التقنين . وهذا الاتجاه الرئيسى الثانى ينطوى على اتجاهات متنوعة .

ذلك أن النزعة الذاتية أو النزعة الموضوعية للتقنين تفرض عليه موقفاً معيناً إزاء تنازع نظريات متعارضة فى أمور ثلاثة : (1) الأمر الأول – أى المذهبين نختار فى تصوير الالتزام : المذهب الشخصى أو المذهب المادى ؟ (2) والأمر الثانى – أية النظريتين نختار فى التعبير عن الإرادة : نظرية الإرادة الباطنة أو نظرية الإرادة الظاهرة ؟ (3) والأمر الثالث – حظ التصرف المجرد acte abstrait بالنسبة إلى التصرف المسبب ، وهل يجوز أن يكون للأول مكان يحتله بجوار المكان الذى يحتله الثانى؟ فالنزعة الذاتية تفرض اختيار المذهب الشخصى للالتزام ، وتؤثر نظرية الإرادة الباطنة ، ولا تجعل للتصرف المجرد مكانا ملحوظاً إلى جانب التصرف المسبب . أما النزعة الموضوعية فعلى النقيض من ذلك تختار المذهب المادى للالتزام ، وتؤثر نظرية الإرادة الظاهرة ، وتجعل للتصرف المجرد مكانا ملحوظا إلى جانب التصرف المسبب .
ومن ثم فالاتجاهات العامة للتقنينات الحديثة يمكن جمعها حول المسائل الأربع الآتية : (1) مبدأ سلطان الإرادة .
 (2) النظرية الشخصية والنظرية المادية للالتزام . 
(3) نظرية الإرادة الباطنة ونظرية الإرادة الظاهرة . 
(4) التصرف المسبب والتصرف المجرد .

ويقال عادة إن هذه الاتجاهات العامة فى جملتها تفصل ما بين التقنينات اللاتينية والتقنينات الجرمانية . فالأولى مشبعة بروح الفردية بالنسبة إلى مبدأ سلطان الإرادة فتأخذ به إلى مدى بعيد ، أما الأخرى فمشبعة بروح الجماعة فتضع قيوداً كثيرة على هذا المبدأ . والأولى تأخذ بالنظرية الشخصية للالتزام ، بينما تأخذ الأخرى بالنظرية المادية . وتؤثر الاولى نظرية الإرادة الباطنة ، بينما تؤثر الأخرى نظرية الإرادة الظاهرة . والتصرف المسبب هو القاعدة فى التقنينات الأولى ، أما التقنينات الأخرى فتبرز إلى جانب التصرف المسبب التصرف المجرد وتضع له نظرية عامة .
على أن هذا القول لا يلقى على عواهنه دون تمحيص . وهو إذا صدق فإنما يصدق فى الناحية الفقهية أكثر مما يصدق فى الناحية التشريعية . ذلك أنه لا يوجد تقنين حديث انحاز انحيازاً مطلقاً إلى أحد الاتجاهين ، ونبذ بتاتا الاتجاه الآخر . فالتقنين الألمانى – وهو عنوان التقنينات الجرمانية – احترم مبدأ سلطان الإرادة إلى مدى بعيد ، واعتد بالعنصر الشخصى فى الالتزام ، وأخذ بالإرادة الباطنة فى كثير من النواحى ، وعرف التصرف المسبب فاعتبره باطلا إذا كان مخالفاً للآداب ، وجعله قابلا للإبطال إذا شاب الإرادة عيب . والتقنن الفرنسى – وهو عنوان التقنينات اللاتينية – يضع قيوداً كثيرة على مبدأ سلطان الإرادة ، ويعتد فى بعض الحالات بالعنصر المادى فى الالتزام ، ويأخذ بالإرادة الظاهرة فى بعض النواحى ، ويعرف التصرف المجرد ولو على سبيل الاستثناء . فالفصل ما بين التقنينات الجرمانية والتقنينات اللاتينية فى هذه الاتجاهات لا يجوز أن يكون فصلا تاماً . والذى يمكن أن يقال فى هذا الصدد أن نزعة التقنينات الجرمانية أقرب إلى اتجاهات منها إلى اتجاهات أخرى ، وعلى العكس من ذلك التقنينات اللاتينية ، ولكن دون أن نستبعد هذه الاتجاهات الأخرى استبعاداً تاماً عن كل من النظامين ([1]) .

أضف إلى ما تقدم أن القوانين اللاتينية تأثرت فى الخمسين عاما الأخيرة(ملاحظة: يكتب المؤلف في حوالي اربعينات وخمسينات القرن العشرين )، منذ ظهور التقنين الألمانى ، بالنزعة الجرمانية تأثراً كبيراً . وقامت حركة تهدف إلى هذا الغرض ، حمل سالى (Saleilles) لواءها فى مسهل القرن العشرين . وبرز هذا الطابع فى التقنينات اللاتينية الحديثة التى ظهرت فى القرن الحالى . ترى ذلك واضحا فى التقنين التونسى والمراكشى ، وفى التقنين اللبنانى ، وفى المشروع الفرنسى الإيطالى ، وفى التقنين الإيطالى الجديد ، وفى تقنينات أخرى متخيرة كالتقنين البولونى والتقنين البرازيلى والتقنين الصينى . وكان من أثر ذلك أن أصبحت هناك فروق محسوسة بين التقنين المدنى الفرنسى أو تقننن نابليون ( Code civil français, Code Napoléon ) والقانون المدنى الفرنسى (Droit civil français) وانفرجت مسافة الخلف بينهما ([2]) .

أما التقنين المصرى الجديد فقد بدأ فى مشروعه التمهيدى يتأثر تأثراً ظاهراً بنزعة القوانين الجرمانية . ولكن هذا التأثر أخذ يخف تدرجا فى المراحل التالية ، وقد خف بنوع خاص فى المشروع النهائى أمام لجنة المراجعة ، ثم فى المشروع الذى أقرته لجنة القانون المدنى بمجلس الشيوخ . وهو فى الصورة الأخيرة التى صدر بها قد انحاز انحيازا نهائياً إلى النظام اللاتينى . وإذا كانت هناك بقايا من النزعة الجرمانية لا تزال موجودة ([3]) ، فذلك هو القدر الذى تأثرت فى حدوده القوانين اللاتينية ذاتها فقها وتشريعاً بالنزعة الجرمانية . وقد تأثر تبعاً لها التقنين المصرى الجديد ، حتى صح أن يقال إن هذا التقنين لا يزال منتميا للنظام اللاتينى لا فى دائرة التقنين المدنى الفرنسى بالذات ، ولكن فى دائرة أوسع هى دائرة القانون المدنى الفرنسى المتأثر ببعض النزعات الجرمانية ([4]) .

وإذن لم يخرج التقنين المصرى الجديد على تقاليده اللاتينية ، بل بقى محتفظا بها . والزعم بأن هذا القانون قد أحدث ثورة وانقلابا فى الأوضاع المدنية التى كانت قائمة قبله زعم لا يقوم على أساس . فلا ثورة ولا انقلاب ، ولكن تسجيل لما تم فعلا من تأثر النظريات اللاتينية بالنظريات الجرمانية . وقد استبقى التقنين الجديد النظام اللاتينى أساسا له. ولكن النظام اللاتينى الذى استبقاه ليس هو ذلك النظام الذى ساد التقنين المدنى الفرنسى فى مقتبل القرن التاسع عشر ، بل النظام الذى تطور مسايراً للحاجات العملية وتخطى أعناق السنين حتى وصل إلى منتصف القرن العشرين . فالقول بالثورة والانقلاب قول يخالف الواقع ، وينطوى على تجاهل لما تم من تطور فى النظم اللاتينية فى مدى قرن ونصف قرن .

ولننظر الآن فى ضوء ما قدمناه إلى موقف التقنين الجديد من هذه الاتجاهات العامة التى أسلفنا ذكرها .

1- مبدأ سلطان الإرادة :

وقف التقنين الجديد من مبدأ سلطان الإرادة موقفاً معتدلا . فلا هو انتقص منه إلى حد أن جعله يفنى فى سلطان المشرع وسلطان القاضى ، إذ لا يزال الأصل أن الإرادة حرة تحدث من الآثار القانونية ما تتجه إلى إحداثه ، ولا هو تركه يطغى فيستبد بإنشاء العلاقات القانونية وبتحديد آثارها دون نظر إلى المصلحة العامة وإلى مقتضيات العدالة .

استبقى القيود التى كان التقنين القديم يرسمها حدودا لسلطان الإرادة . فلا تزال هناك عقود شكلية روعى فى شكليتها اعتبارات تمت للنظام العام ، أو تتجه لحماية أطراف العقد أنفسهم . ولا تزال العقود الرضائية ذاتها محصورة فى نطاق النظام العام والآداب . ولا تزال الحدود المادية للغبن فى بعض العقود قائمة كما فى بيع عقار القاصر وإبحار الوقف ، بل زاد التقنين الجديد عليها عقد القسمة إذا زاد الغبن فيه على الخمس ( م 845 ) .

واستحدث قيودا جديدة طاوع فيها التطور الاجتماعى والاقتصادى للقانون طوال العصور الأخيرة ، بل سجل فى بعضها ما كان القضاء المصرى ذاته قد وصل إليه من حلول عن طريق هذا التطور .
فقيّد من سلطان الإرادة عند تكوين العقد ، بأن وسع من نطاق الغبن ، وحوره من نظرية مادية جامدة تقتصر على عقود معينة ، إلى نظرية ذاتية مرنة تتناول جميع العقود . فرسم بذلك للإرادة حدودا جديدة لا تتعداها ، ومنع أن يستغل المتعاقد طيشاً أو هوى آنسه فى المتعاقد الآخر حتى لو رضى هذا بما وقع عليه من غبن ، إذ أن إرادته فى هذه الحالة لا تكون صحيحة ، ولا يرتب القانون عليها أثرها ( أنظر المادة 129 ) . ومثل الاستغلال الإذعان ، رسم التقنين الجديد له أيضا حدودا لسلطان الإرادة عند تكوين العقد ، وذلك إذا كان قبول المتعاقد يقتصر على مجرد التسليم بشروط مقررة يضعها الموجب ولا يقبل مناقشة فيها . وإذا كان المتعاقد فى حالة الاستغلال يستغل فى المتعاقد الآخر ظروفاً شخصية خاصة ، فهو فى حالة الإذعان يستغل فيه ظروفاً اقتصادية عامة ، والمتعاقد المغبون مذعن فى الحالتين . ومن ثم قيد القانون من سلطان الإرادة فى حالة الإذعان كما قيد منها فى حالة الاستغلال . فقضى بأنه إذا تم العقد بطريق الإذعان ، وكان قد تضمن شروطاً تعسفية ، جاز للقاضى أن يعدل هذه الشروط أو أن يعفى الطرف المذعن منها ، وذلك وفقا لما تقضى به العدالة ( أنظر المادة 149 ) ([5]) بل إن التقنين الجديد سار فى الحد من سلطان الإرادة إلى مدى أبعد . فألزم ، كما قدمنا فى إدارة المال الشائع وفى التصرف فيه ، أقلية الملاك فى الشيوع أن تخضع لإرادة الأغلبية                ( أنظر المواد 828 و 829 و 832 ) ، وجعل زمام الإدارة فى يد الأغلبية إذا كون ملاك طبقات البناء الواحد اتحادا فيما بينهم ( أنظر المواد 864 و 865 و 866 و 867 ) ([6]) وفى هذا كله خروج على مبدأ سلطان الإرادة ، ولكن التقنين الجديد ضحى بهذا المبدأ رعاية لمصلحة أعلى هى أن يكفل للمال الشائع إدارة حسنة يقتضيها الصالح المشترك لجميع الملاك فى الشيوع . ولم يقتصر التقنين الجديد على إحلال إرادة المشرع محل إرادة المتعاقد كما رأينا فى الأمثلة السابقة ، بل زاد على ذلك أن أحل فى بعض الحالات إرادة القاضى محل إرادة المتعاقد كما سنرى ( أنظر المادة 95).
وقيّد من سلطان الإرادة عند تنفيذ العقد ، فجعل نظرية الحوادث الطارئة وقت هذا التنفيذ تقابل نظريتى الاستغلال والإذعان وقت تكوين العقد ، ونص فى الفقرة الثانية من المادة 147 على أنه (( إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن فى الوسع توقعها ، وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدى ، وإن لم يصبح مستحيلا ، صار مرهقا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة ، جاز للقاضى ، تبعا للظروف وبعد الموازنة بين مصلحةالطرفين ، أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول . ويقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك )) . وطبق هذه النظرية تطبيقا خاصا فى عقدى الإيجار والمقاولة . فنص فى الفقرة الأولى من المادة 608 على أنه (( إذا كان الإيجار معين المدة ، جاز لكل من المتعاقدين أن يطلب إنهاء العقد قبل انقضاء مدته إذا جدت ظروف خطيرة غير متوقعة من شأنها أن تجعل تنفيذ الإيجار من مبدأ الأمر أو فى أثناء سريانه مرهقاً )) ( أنظر أيضاً المادة 602 فقرة 2 والمادة 609 ) . ونص فى الفقرة الرابعة من المادة 658 على أنه (( إذا أنهار التوازن الاقتصادى بين التزامات كل من رب العمل والمقاول بسبب حوادث استثنائية عامة لم تكن فى الحسبان وقت التعاقد ، وتداعى بذلك الأساس الذى قام عليه التقدير المالى لعقد المقاولة ، جاز للقاضى أن يحكم بزيادة الأجر أو بفسخ العقد )) . وكجواز إنقاص الالتزام الذى أصبح مرهقاً لحوادث طارئة جواز تخفيض التعويض في الشرط الجزائي إذا تبين عند تنفيذ العقد أن التعويض المتفق عليه يزيد كثيرا على الضرر الذي وقع فعلا ، وقد نصت الفقرة الثانية من المادة 24 على أنه " يجوز للقاضي أن يخفض هذا التعويض إذا اثبت المدير أن التقدير كان مبالغاً فيه إلى درجة كبيرة " . ومثل ذلك أيضاً أن يقتصر المدين على دفع تعويض نقدي إذا تبين أن في التنفيذ العيني إرهاقاً له ، وقد نصت الفقرة الثانية من المادة 203 على انه " إذا كان في التنفيذ العيني ارهاق للمدين ، جاز له أن يقتصر على دفع تعويض نقدي إذا كان ذلك لا يلحق بالدائن ضرراً جسيماً " . 
ونصت الفقرة الثانية من المادة 1018 ، وهي تضع الجزاء على مخالفة القيود التي تحد من حق مالك العقار في البناء ، على أن " كل مخالفة لهذه القيود تجوز المطالبة بإصلاحها عينا ، ومع ذلك يجوز الاقتصار على الحكم بالتعويض إذا رأت المحكمة ما يبرر ذلك " . ومثل ذلك اخيراً ما رتبه التقنين الجديد على تغير الظروف في تعديل حق الإرتفاق وفي إنهائه . فنص في الفقرة الثانية من المادة 1023 ، في صدد النهي عن إبدال موضع آخر بالموضع المعين أصلاً لاستعمال حق الإرتفاق ، على ما يأتي : " ومع ذلك إذا كان الموضع الذي عين أصلاً من أصبح من شأنه أن يزيد في عبء الإرتفاق ، أو أصبح الإرتفاق مانعاً من إحداث تحسينا في العقار المرتفق به ، فلمالك هذا العقار أن يطلب نقل الإرتفاق إلى موضع آخر من العقار ، أو إلى عقار آخر مملكه هو أو يملكه أجنبي إذا قبل الأجنبي ذلك ، كل هذا متى كان استعمال الإرتفاق في وضعه الجديد ميسوراً لمالك العقار المرتفق بالقدر الذي كان ميسوراً به في وضعه السابق " . ونص في المادة 1029 على أن " لمالك العقار المرتفق به أن يتحرر من الإرتفاق كله أو بعضه إذا فقد الإرتفاق كل منفعة للعقار المرتفق أو لم تبق له غير فائدة محدودة لا تتناسب البتة مع الأعباء الواقعة على العقار المرتفق به " ( أنظر أيضاً المادتين 1024 و 1025 ) .
كل هذه قيود على سلطان الإرادة استحدثها التقنين الجديد – وقد سبقه القضاء المصري إلى بعض منها – فخفف بهذا التجديد من النزعة الفردية التي كانت تميز التقنينات اللاتينية ، والتي كان من شأنها أن تطلق مبدأ سلطان الإرادة إلى مدى بعيد قد يتعارض مع العدالة والمصلحة . ولم يجاوز التقنين الجديد حدود الاعتدال في تقييد هذا المبدأ ، إذ هو فيما قيده به قد جارى النزعة الحديثة المتمشية ، لا في التقنينات الجرمانية وحدها بل وفي التقنينات اللاتينية الحديثة ذاتها ، فساير بذلك تطوراً محموداً سجله العصر الحاضر لهذه التقنينات ( [7] ) .

ب - النظرية الشخصية والنظرية المادية للالتزام :

سنرى عند الكلام في نظرية الالتزام أن هناك مذهبين يختلفان في النظرة إلى الالتزام . فالمذهب الشخصي يرى أن الأمر الجوهري فيه هو ما يقوم من رابطة شخصية فيما بين الدائن والمدين . وهذه هي نظرية القانون الرومانين وعنها أخذت القوانين اللاتينية . أما المذهب المادي فينظر إلى محل الالتزام باعتبار انه هو العنصر الأساسي فيه ، وينزل عنصر الرابطة الشخصية إلى المكان الثاني ، فيصبح الالتزام في نظر هذا المذهب عنصراً مالياً أكثر منه علاقة شخصية . وهذه هي النظرية الجرمانية ، قال بها جييرك ومن نحا نحوه من فقهاء الألمان متأثرين في ذلك بالتقاليد الجرمانية القديمة ، ونابذين تقاليد القانون الروماني .
والمذهب المادي يفسر تفسيراً منطقياً صحيحاً كيف يبقى الالتزام رغم تغير اطرافه . لو أن الالتزام ، في عنصره الجوهري ، رابطة شخصية ، لزال بزوال هذه الرابطة ، ولما أمكن أن يتغير الدائن في حوالة الحق ، والمدين في حوالة الدين ، دون أن يتغير الالتزام ذاته . ويفسر المذهب كذلك تفسيراً منطقياً صحيحاً كيف يجوز أن ينشأ الالتزام دون دائن . والالتزامات التي تنشأ دون دائن تقع كثيراً في الحياة العملية ، فمن ذلك التزام الواعد بجائزة ، والتزام المتعهد لمصلحة شخص غير معين أو شخص غير موجود في الاشتراط لمصلحة الغير ، والتزام من يوقع السند لحامله ، فلو أن الالتزام ليس في جوهره إلا رابطة شخصية بين دائن ومدين ، لما صح أن ينشأ التزام دون أن يوجد الدائن والمدين معا وقت نشوء الالتزام ، حتى تقوم الرابطة بينهما .
وقد كانت التقنينات اللاتينية ، بالرغم من اعتناقها للمذهب الشخصي في الالتزام ، تفسح مجالا لبعض تطبيقات المذهب المادي ، فتعترف بحوالة الحق دون حوالة الدين ، وبالسند لحامله ، وتطور فيها الاشتراط لمصلحة الغير حتى أصبح من المستطاع الاشتراط لمصلحة شخص غير معين ولمصلحة شخص مستقبل . ولما احتك المذهب المادي ببالمذهب الشخصي سارت التقنينات اللاتينية في تطورها ، فاعترف بعضها بحوالة الدين إلى جانب حوالة الحق ، ونص بعضها على جواز الوعد بجائزة لشخص غير معين .
وقد وقف التقنين الجديد هنا أيضاً موقف الاعتدال فم يغرق في الأخذ بالمذهب المادي ، ولكنه من جهة أخرى سجل ما تم فعلا من تطور نحو هذا المذهب بحكم تأثر النظريات اللاتينية بالنظريات الجرمانية .
فهو أولاً استبقى التطبيقات القديمة للمذهب المادي ، فاعترف بحوالة الحق ( أنظر المواد 303 – 314 ) ، واقر ما وصل إليه الفقه والقضاء منذ عهد طويل من جواز الاشتراط لمصلحة شخص مستقبل أو جهة مستقبلة أو لمصلحة أو جهة لم يعينا وقت العقد متى كان تعيينهما مستطاعاً وقت أن ينتج العقد أثره ( أنظر المادة 156 ) .
وهو ثانياً سجل ما تطورت إليه التقنينات اللاتينية في ناحية المذهب المادي إلى أقصى مدى وصل إليه هذا التطور حتى لا يكون متخلفاً عن عصره فنظم إلى جانب حوالة الحق حوالة الدين ( أنظر المواد 315 – 322 ) ، ونص صراحة على أن من وجه للجمهور وعدا بجائزة يعطيها عن عمل معين التزم بإعطاء الجائزة لمن قام بهذا العمل ، ولو قام به دون نظر إلى الوعد بالجائزة أو دون علم بها ( أنظر المادة 162 ) .
وهو بعد هذا وذاك لم يهجر المذهب الشخصي للالتزام ، ولم يخرج على تقاليده خروجاً لا تبرره المصلحة العملية . فلا يزال الالتزام رابطة ما بين شخصين ، ولا يزال الالتزام الارادي يقوم على الإرادة المشتركة للدائن والمدين ، وعن طريق هذه الإرادة تتسرب العوامل النفسية والخقية . فيجب أن تكون الإرادة حرة مختارة ، لا إكراه يعيبها ولا استغلال . ويجب أن تكون على هدى ، لا غلط يشوبها ولا تدليس . وجعل التقنين الجديد لعقود الاذعان أحكاماً خاصة ، وافسح جانباً للظروف الطارئة غير المتوقعة ، مما سبق بيانه . أما الالتزام غير الإرادي فلا يزال هو أيضاً رابطة ما بين شخصين إلى حد أن الدائن بتعويض عن ضرر أدبي لا ينتقل حقه إلى ورثته إلا إذا كان هذا التعويض قد تحدد بمقتضى اتفاق بينه وبين المسئول أو كان قد طالب به أمام القضاء ( أنظر المادة 222 ) . وفي هذا اعتراف صريح بالعامل الشخصي في الالتزامات غير العقدية .

ج – نظرية الإرادة الباطنة ونظرية الإرادة الظاهرة

سنرى في هذا أيضاً ، عند الكلام في نظرية العقد ، أن هناك مذهبين يختلفان في النظرة إلى الإرادة . فمذهب الإرادة الباطنة – وهو المذهب اللاتيني – يقف عند الإرادة النفسية ، أما التعبير المادي عن هذه الإرادة فليس إلا قرينة عليها تقبل إثبات العكس . ومذهب الإرادة الظاهرة – وهو المذهب الجرماني – يقف عند التعبير عن الإرادة ، ويعتبره هو الإرادة ذاتها ، إذ التعبير هو المظهر الاجتماعي للإرادة والقانون إنما يعنيه الظواهر الاجتماعية دون الظواهر النفسية ، هذا إلى أن التعبير عن الإرادة هو الشيء المادي الذي يقف عنده المتعاملون ويطمئنون إليه في تعاملهم .
ولم تسلم التقنينات اللاتينية من أثر المذهب الإرادة الظاهرة ، كما لم تسلم التقنينات الجرمانية من أثر لمذهب الإرادة الباطنة . ويعنينا في هذا الصدد أن نبين أن التقنين الجديد بقى في حظيرة التقنينات اللاتينية . فالأصل عنده هو الأخذ بالإرادة الباطنة ، ولكنه مع ذلك يأخذ بالإرادة الظاهرة إلى الحد الذي يقتضيه استقرار التعامل . وهو في هذا قد تأثر بالنزعة الجرمانية الموضوعية تأثر التقنينات اللاتينية ذاتها بهذه النزعة ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك .
أخذ التقنين الجديد بالإرادة الظاهرة ، ابتغاء استقرار التعامل ، في تكوين العقد وفي تفسيره .
ففي تكون العقد سار إلى حد أن أقام العقد في بعض الحالات على الإرادة الظاهرة . فهو ينص في المادة 91 على أن التعبير عن الإرادة ينتج أثره في الوقت الذي يتصل فيه بعلم من وجه إليه . ويترتب على ذلك أن من وجه إليه إيجاب فقبله ثم عدل ، ولكن القبول وصل إلي علم الموجب قبل أن يصل العدول ، يرتبط بالعقد ، لا على أساس إرادته الحقيقية التي عدل عنها ، بل على أساس إرادته الظاهرة وهي وحدها التي اقترن بها الإيجاب . كذلك تنص المادة 92 من القانون الجديد على أنه " إذا مات من صدر منه التعبير عن الإرادة أو فقد أهليته قبل أن ينتج التعبير أثره فان ذلك لا يمنع من ترتب هذا الأثر عند اتصال التعبير بعلم من وجه إليه " . ولا يستقيم هذا الحكم على أساس الإرادة الباطنة الكامنة في النفس ، وهي الإرادة التي تموت بموت صاحبها وتزول بفقده لأهليته ، بل على أساس الإرادة الظاهرة التي انفصلت عن صاحبها فأصبحت مستقلة عنه ، وتبقى حتى بعد موته أو بعد فقده لأهليته . ويقرر التقنين الجديد أن غلط أحد المتعاقدين لا يكون سبباً في إبطال إلا إذا كان المتعاقد الآخر قد وقع في الغلط ذاته أو كان على علم به أو اكن من السهل عليه أن يتبينه ( م 120 ) . 
ويترتب على ذلك انه إذا كان الغلط قد انفرد به المتعاقد الأول ، ولم يقع فيه المتعاقد الآخر ، ولم يعلم به ولم يكن من السهل عليه أن يتبينه ، فإن العقد يكون صحيحاً ، لا على أساس الإرادة الحقيقية للمتعاقد الأول ، فان هذه الإرادة قد شابها غلط فجعلها فاسدة ، ولكن على أساس إرادته الظاهرة التي اطمأن إليها المتعاقد الآخر واعتمد عليها في ترتيب شئونه . ويقرر التقنين الجديد أيضاً انه إذا صدر التدليس من غير المتعاقدين ، فليس للمتعاقد المدلس عليه أن يطلب إبطال العقد ، ما لم يثبت أن المتعاقد الآخر كان يعلم أو كان من المفروض حتما أن يعلم بهذا التدليس ( م 126 ) . ويقرر في صدد الإكراه ما قرره في صدد التدليس ، فينص على أنه إذا صدر الإكراه من غير المتعاقدين ، فليس للمتعاقد المكره أن يطلب إبطال العقد ، ما لم يثبت أن المتعاقد الآخر كان يعلم أو كان من المفروض حتما أن يعلم بهذا الإكراه . فإذا كان المتعاقد الآخر لا يعلم بوقوع التدليس أو الإكراه ، وكان في الوقت ذاته يتعذر عليه أن يعلم ذلك ، فان العقد يكون صحيحاً ، لا على أساس الإرادة الحقيقية للمتعاقد الأول ، فإن هذه الإرادة قد أفسدها التدليس أو الإكراه ، ولكن على أساس إرادته الظاهرة التي اعتمد عليها المتعاقد الآخر ( [8] ) .
وفي تفسير العقد يمكن القول أن التقنين الجديد قد أخذ من طريق غير مباشر بالإرادة الظاهرة في العقود التي تكون عبارتها واضحة . فقد نص في الفقرة الأولى من المادة 150 على أنه " إذا كانت عبارة العقد واضحة ، فلا يجوز الانحراف عنها من طريق تفسيرها للتعرف على إرادة المتعاقدين " . صحيح أن عبارة العقد الواضحة تؤخذ على إنها تعبير أمين عن الإرادة الحقيقية ، وفي التزام هذه العبارة للتعرف على إرادة المتعاقدين التزام للإرادة الحقيقية لا الإرادة الظاهرة . ولكن وراء هذا الافتراض حقيقة ملموسة ، هي إننا إنما نستخلص الإرادة الحقيقية من الإرادة الظاهرة ، ولا يجوز لنا أن ننحرف عن هذا للتعرف على تلك . فنحن في الواقع من الأمر نأخذ بالإرادة الظاهرة ، وإن كنا نفعل ذلك تحت ستار أن الإرادة الظاهرة هي الإرادة الحقيقية ذاتها . 
ويتبين مما قدمناه أن التقنين الجديد قد أخذ بالإرادة الظاهرة في بعض الفروض ، سواء كان ذلك في تكوين العقد أو في أثناء تفسيره . فساغ له من وجه أن ينص في المادة 89 على أن العقد يتم " بمجرد أن يتبادل طرفان التعبير عن إرادتين متطابقتين " ، فجعل التعبير عن طريق التعرف على الإرادتين وما يقوم بينهما من تطابق . ولكن لا يجوز السير في هذا الطريق إلى مدى أبعد مما تحتمله النصوص فليس صحيحاً أن التقنين الجديد أخذ بالإرادة الظاهرة كقاعدة عامة . وإذا كان قد أخذ بها في بعض الفروض ، فقد صدر في ذلك عن اعتبار مشروع هو تحقيق استقرار التعامل . وهو إذا جعل التعبير طريق التعرف على الإرادة فإنما أراد عن طريق هذه العلاقة المادية التعرف على الإرادة الحقيقية بالقدر الذي يمكن التعرف عليها ، ولم يرد الأخذ بالإرادة الظاهرة التي تقف عند ظاهر التعبير . وإلا فالواضح أن التقنين الجديد قد أخذ بالإرادة الباطنة ، أو الإرادة الحقيقية للمتعاقدين ، كقاعدة عامة ، وفي مواطن شتى ، سواء كان ذلك عند تكوين العقد أو عند تفسيره .
ففي تكوين العقد ، لم يعتد بالإرادة إلا في معدنها الحقيقي ، حرة مختارة غير مضللة ولا واهمة ، فمحصها من الغلط والتدليس والإكراه والاستغلال ، بل إنه تعقبها في مظان ما قد تخضع له من ضغط كما فعل في عقود الاذعان . ثم سار في استصفاء الإرادة الحقيقية واستكناه ما تتجه إليه من غايات مستترة إلى مدى أبعد ، إذ اعتد لا بالإرادة وحدها بل أيضاً بالباعث الذي كان دافعاً لها . وهذه هي نظرية السبب أخذ التقنين الجدي بها كاملة ، وفي الأخذ بهذه النظرية انحياز واضح للإرادة الباطنة .
وفي تفسير العقد ، أخذ التقنين الجديد أيضاً بالإرادة الباطنة ، إذا كانت عبارات العقد غير واضحة . فنص في الفقرة الثانية من المادة 150 على أنه " إذا كان هناك محل لتفسير العقد ، فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعني الحرفي للألفاظ ، مع الاستهداء في ذلك بطبيعة التعامل ، وبما ينبغي أن يتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين ، وفقا للعرف الجاري في المعاملات " . فالأصل إذن في تفسير العقد هو البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين ، أي تلمس الإرادة الحقيقية . وإذا كان التقنين الجديد يضع معايير موضوعية للبحث عن هذه الإرادة الحقيقية كطبيعة التعامل والعرف الجاري في المعاملات ، فإن هذه المعايير ليست إلا طرقاً للنفاذ إلى الإرادة الحقيقية للمتعاقدين على نحو منضبط يمكن الاطمئنان إليه . 
والذي يخلص لنا من متابعة التقنين الجديد أن الأصل في الإرادة هي الإرادة الباطنة . ولكن هذه الإرادة في بعض الأحوال ، تبعاً لمقتضيات الاستقرار في التعامل ، تتجسم في المظهر الذي اتخذ للتعبير عنها ، فتصبح هي الإرادة الظاهرة ، وتقوم عندئذ على أساس من الثقة المشروعة التي يولدها هذا المظهر في نفوس المتعاملين . ( [9] ) وإذا كان التقنين الجديد قد سار في طريق الإرادة الظاهرة إلى مدى أبعد مما فعل التقنين الفرنسي : فإن له في ذلك أسوة بالتقنين اللاتينية الحديثة التي خطت هي أيضاً خطوات واسعة في هذا الطريق . ومهما يكن من أمر اقتراب التقنين الجديد من الإرادة الظاهرة ، فهو على كل حال لم يبلغ في ذلك مبلغ التقنين الألماني والتقنينات الجرمانية الأخرى ، ولا يزال في هذا الصدد باقياً في حظيرة التقنينات اللاتينية المتطورة .

د – التصرف المسبب والتصرف المجرد :

سنرى عند الكلام في نظرية السبب أن هذه النظرية هي المحك الذي تتميز به التقنينات ذات الصبغة الذاتية عن التقنينات ذات الصبغة الموضوعية . فالتقنينات الأولى تأخذ بنظرية نفسية للسبب ، وتفسح له مجالا واسعاً ، ولا تقر التصرف المجرد عن سببه إلا في حدود ضيقة . أما التقنينات الأخرى فتأخذ بنظرية موضوعية للسبب ، ولا تفسح له إلا مكاناً محدوداً ، وتتوسع في إقرار التصرف المجرد ، وترده إلى قاعدة عامة .
وسنرى أن القانون الفرنسي قد خطا في النظرية السبب خطوات واسعة ، واستبدل القضاء الفرنسي بالنظرية التقليدية الضيقة ، وهي نظرية موضوعية ، نظرية حديثة جعلت السبب هو الباعث الذي دفع إلى التعاقد ، فحورته إلى فكرة نفسية مخصبة . واشترط في كل تصرف أن يكون مقروناً بسببه ، فلا يكون التصرف مجرداً ( abstrait ) إلا في حالات استثنائية يقتضيها استقرار التعامل ، وينص عليها القانون بذواتها .
وعلى النقيض من ذلك كان موقف التقنينات الجرمانية . فعندها أن السبب فكرة موضوعية بحتة . وقد احتفظت هذه التقنينات في نظرتها هذه بصبغتها الموضوعة السائدة . ومن ثم أقرت التصرف المجرد في حالات كثيرة . فجعلت عقود انتقال الملك عقوداً مجردة تنقل الملك بصرف النظر عن صحة العقود التي أنشأت الالتزامات بنقل الملكية . وجعلت كثيرا من العقود التي تنشيء الالتزام عقوداً مجردة تصح ولو لم يكن لها سبب أو كان سببها غير مشروع ، وذلك كحوالة الحق وحوالة الدين والتنازل عن الحق الشخصي والإنابة في الوفاء . بل سارت في هذا الطريق إلى مدى أبعد ، فرسمت خطوطاً رئيسية للتصرف المجرد ، وردته إلى قاعدة عامة ، ونصت على انه يجوز بوجه عام تجريد الالتزام من سببه ، 
فيتخذ صورة التعهد المجر بالوفاء ( promesse abstraite de paiement
أو الاعتراف المجرد بالدين ( reconnaissance abstraite de dette ) .
فإلى أي المذهبين انتمي التقنين الجديد ؟ هنا نراه انحاز انحيازاً تاماً إلى مذهب التقنينات اللاتينية . فأخذ بنظرية السبب كما يأخذ بها القضاء الفرنسي : نظرية نفسية واسعة تنفذ منها العوامل الذاتية والأدبية إلى مدى بعيد ، وتتغلغل في الصميم من العلاقات القانونية . وبالرغم من أن التقنين الجديد أخذ في بعض الحالات بمعايير موضوعية ، إلا انه وقف في نظرية السبب عند المعيار الذاتي ، ولم يتزحزح في ذلك عن تقاليد التقنينات اللاتينية . فالتقنين المصري الجديد سببي ( causaliste ) كالتقنين المصري القديم ، وكالتقنين الفرنسي ، وهو يتعارض في هذا إلى حد بعيد مع التقنينات الجرمانية . وهو كالتقنين الفرنسي يستوجب أن يكون لكل التزام مقرونا بسببه ، ويشترط أن يكون السبب مشروعاً وإلا بطل العقد ، ولا يبقر الالتزام المجرد إلا في حدود ضيقة ، فلا يضع له قاعدة عامة كما فعلت التقنينات الجرمانية ، بل لا يعترف به إلا في حالات معينة يقتضيها الاستقرار في التعامل ، ويفرد لهذه الحالات نصوصاً خاصة .
ومن ثم نرى أن التقنين الجديد في هذا الصدد بقي كعادته في حظيرة التقنينات اللاتينية . بل إنه هنا التزم هذه الحظيرة في أضيق دودها ، ولم يتأثر لا كثيراً ولا قليلا بالتقنينات الجرمانية .

2 - التقنين الجديد بين الاستقرار والتطور وبين الفرد والجماعة

طابع التقنين الجديد هو الاعتدال . رأيناه معتدلا فيما قدمنا . يتوسط في الأخذ بمبدأ سلطان الإرادة ، فيأخذ به بعد أن يحيطه بقيود كثيرة . ويتوسط بين المذهب الشخصي والمذهب لامادي للالتزام ، فيستبقي المذهب الشخصي بعد أن يأخذ بما في المذهب المادي من نتائج عملية نافعة . ويتوسط بين الإرادة الباطنة والإرادة الظاهرة ، فيصدر عن الإرادة الباطنة ، ولكنه يأخذ بالإرادة الظاهرة حيث يقتضي ذلك استقرار التعامل . ثم هو يأخذ بنظرية السبب كاملة ، ولا يقر التصرف المجرد إلا في حدود معتدلة معقولة .
فالتقنين الجديد يعد حق من القوانين المتخيرة ( eclectique ) ، وإن بقى بوجه عام في حظيرة التقنينات اللاتينية كما قدمنا .
وهو ، فيما نحن فيه هنا ، يقف أيضاً موقف المتخير المعتدل ، فيتخذ سبيله قواماً بين الاستقرار والتطور ، وبين الفرد والجماعة .

1 - التقنين الجديد بين الاستقرار والتطور :

يهدف التقنين الجديد إلى أن يكون قانوناً حياً عمليا . والقانون الحي العملي ينبغي أن يحمل في طياته عوامل التطور حتى يبقى حياًً ، وعوامل الاستقرار حتى يكون عملياً .

عوامل التطور في التقنين الجديد :

أهم هذه العوامل هي هذه المعايير المرنة التي جعلها التقنين الجديد في مكان القواعد الجامدة ، وهذه السلطة التقديرية الواسعة التي أعطاها للقاضي .

1 - المعايير المرنة :

ورث التقنين الجديد عن التقنين القديم بعض القواعد الجامدة التي لم يكن هناك بد من الاحتفاظ بها . مثل ذلك الغبن في بيع عقار لشخص لا تتوافر فيه الأهلية وقد قدر بما يزيد على خمس قيمة العقار ( م 425 ) ، والفوائد القانونية والاتفاقية وقدر لها سعر معلوم لا تجاوزه ( م 226 – 227 ) ، والقاعدة التي تقضي بأنه إذا عدل من دفع العربون فقده وإذا عدل من قبضه رد ضعفه ( م 103 فقرة 2 ) وقد نقلها التقنين الجديد عن القضاء والعرف ، والقاعدة التي استحدثها من جواز نقض عقد القسمة إذا لحق أحد المتقاسمين غبن يزيد على الخمس ( م 845 ) . هذه القاعدة الجامدة التي تضع للمسألة حلا واحداً ثابتاً لا يتغير مهما تغيرت الظروف والملابسات ، والتي تقف في بعض المسائل عند رقم معلوم لا تحدي عنه ، قد نكون فقي حاجة إليه في قليل من الحالات لاستقرار التعامل وثباته على وتيرة واحدة . ولكن لا يجوز الاستكثار من مثل هذه القواعد الجامدة فإنها تقف عقبة في طريق التطور . وخير منها معايير مرنة يضعها المشرع هادياً للقاضي ، يسترشد بها هذا فيما يعر له من الأقضية ، ولا يتقيد فيها بحل واحد لا ينحرف عنه ، بل تتغاير الحلول وتتفاوت بتغير الظروف وتفاوت الملابسات ( [10] ) .
وهذا مثل لمعيار مرن استبدله التقنين الجديد بقاعدة جامدة كانت موجودة في التقنين القديم . فقد كانت المواد 291 – 292 / 364 - 366 من التقنين القديم تنص على جواز فسخ البيع إذا وقع على أشياء بيعت جملة واحدة ثم ظهر إنها اقل من القدر المتفق عليها أو أكثر . ثم نصت المادتان 292 / 367 من هذا التقنين على أنه لا يجوز للمشتري فسخ البيع في هذه الأحوال " إلا إذا كان الغلط زائداً على نصف عشر الثمن المعين " . 
فنبذ التقنين الجديد هذه القاعدة الجامدة التي تقف عند نسبة معينة من الثمن ، واستبدل بها معياراً مرناً ، إذ نص في الفقرة الأولى من المادة 433 على أنه " لا يجوز للمشتري أن يطلب فسخ العقد لنقض في المبيع إلا إذا أثبت أن هذا النقص من الجسامة بحيث أو انه كان يعلمه لما أتم العقد " . وكذلك يكون الحكم فيما لو وجد المبيع زائداً على المقدار المتفق عليه ( م 433 فقرة 2 ) . وظاهر أن المعيار الجديد يفضل القاعدة القديمة ، إذ به يتمكن القاضي من الملاءمة ما بين ظروف كل قضية والحل القانوني الذي يناسبها ، فقد يكون النقص أو الزيادة في المبيع أكثر من نصف العشر ويرفض القاضي أن يحكم بفسخ العقد ، وقد يكون اقل ويجيب القاضي المشتري إلى طلب الفسخ ، وذلك كله تبعاً للملابسات والظروف في كل قضية بذاتها .
وقد أكثر التقنين الجديد من هذه المعايير المرنة إذ هي من أهم عوامل التطور . ونكذر هنا بعضا منها .
فمن ذلك معيار الجوهري ، وقد عرفته المادة 121 بأنه الغلط الذي يبلغ حدا ، الجسامة بحيث يمتنع معه المتعاقد عن إبرام العقد لو لم يقع في هذا الغلط . وظاهر أن هناك فرقاً كبيرا بين هذا المعيار المرن وبين القاعدة القديمة التي كانت تشترط أن يكون الغلط واقعاً في مادة الشيء . ومن ذلك أيضاً معيار التدليس الجسيم ، وقد قضت الفقرة الأولى من المادة 125 بأنه يجوز إبطال العقد للتدليس إذا كانت الحيل التي لجأ إليها أحد المتعاقدين أو نائب عنه من الجسامة بحيث لولاها لما أبرم الطرف الثاني العقد . ومثل معيار التدليس الجسيم معيار الرهبة القائمة على أساس ، إذ تقضي المادة 127 بأنه يجوز إبطال العقد للإكراه إذا تعاقد شخص تحت سلطان رهبة بعثها المتعاقد الآخر في نفسه دون حق وكانت قائمة على أساس ، وتكون الرهبة قائمة على أساس إذا كانت ظروف الحال تصور للطرف الذي يدعيها أن خطراً جسيماً محدقاً يهدده هو أو غيره في النفس الو الجسم الو الشرف أو المال . وفي الاستغلال اتخذ التقنين الجديد معيار التأثير الدافع إلى التعاقد ، فلا يتحقق الاستغلال إلا إذا تبين أن المتعاقد المغبون لم يبرم العقد إلا لأن المتعاقد الآخر قد استغل فيه طيشاً بينا أو هو جامحاً ( م 129 فقرة أولى ) . وكذلك في السبب اتخذ التقنين الجديد معيار الباعث الدافع إلى التعاقد وإن كان لم يصرح به في النص . وفي جواز الرجوع في الهبة اتخذ معيار العذر المقبول ، فأجاز للواهب أن يطلب من القضاء الترخيص له في الرجوع متى كان يستند في ذلك إلى عصر مقبول ولم يوجد مانع من الرجوع ( م 500 فقرة 2 ) .
كل هذه معايير مرنة تتفاوت الحلول التي تؤدي إليها بتفاوت الظروف التي تطبق فيها ، وبخاصة إذا لوحظ أن جميع المعايير التي ذكرناها هي معايير ذاتية يراعي في تطبيقها حالات نفسية يكشف عنها القاضي في كل شخص بذاته ، وقد صرحت بهذا المعنى الفقرة الثالثة من المادة 127 في صدد الإكراه ، فقضيت بأنه " ويراعي في تقدير الإكراه جنس من وقع عليه الإكراه وسنه وحالته الاجتماعية والصحية وكل ظرف أخر من شأنه أن يؤثر في جسامة الإكراه " . وسنرى أن هناك معايير أخرى موضوعية في التقنين الجديد تجمع بين مرونة المعيار وثبات القاعدة .

2 - سلطة القاضي التقديرية :

وعامل آخر في التقنين الجديد يفسح أمامه المجال للمرونة والتطور ، هو هذه السلطة التقديرية الواسعة التي جعلها للقاضي . رأيناها في تطبيق هذه المعايير المرنة التي تقدم ذكرها ، ونراها الآن فيما فوض فيه القاضي من تطبيق أحكام القانون وفقاً للمناسبات ، وما أعطي في ذلك من سلطة تقديرية ، تصل به في بعض الحالات إلى استكمال ما فات المتعاقدين أن يتفقا عليه ، بل والى تعديل ما تم عليه الاتفاق فيما بينهما . وإذا كان التقنين الجديد لم يبلغ في ذلك مدى ما بلغ التقنين السويسري إذ جعل القاضي مشرعاً فيما لم يرد فيه نص ، بل وقف عند حدود معقولة تمنع من الخلط بين وظيفة التشريع ووظيفة القضاء ، إلا انه مع ذلك سار شوطاً بعيداً في سبيل أن يجعل للقاضي من سلطان التقدير ما ييسر له أن يجعل أحكام القانون متمشية مع مقتضيات الظروف . فتكون أحكام القانون بذلك أداة طيعة في يد القاضي يطور بها القانون تطويراً مستمراً ، ويواجه بها ما يتغير من ملابسات وأحوال . ونورد أمثلة لما اشتمل عليه التقنين الجديد من نصوص تجعل للقاضي هذه السلطة التقديرية ، وهي سلطة تمكنه في بعض الحالات من أن يستكمل شروط العقد وان يعدل فيها عند الاقتضاء .
فمن النصوص التي تفسح للقاضي من سلطاته التقديرية ، هذه التي تجعل له حرية واسعة في تقدير التعويض المستحق للشخص المضرور ، وذلك في حالة الدفاع الشرعي ، فمن جاوز في هذا الدفاع القدر الضروري أصبح ملزماً بتعويض تراعي فيه مقتضيات العدالة ( م 166 ) ، وفي حالة الضرورة ، فمن سبب ضررا للغير ليتفادى ضرراً أكبر لا يكون ملزماً إلا بالتعويض الذي يراه القاضي مناسباً ، ( م 168 ) ، وفي تحديد طريقة التعويض ، فيعين القاضي هذه الطريقة تبعاً للظروف ، ويصح أن يكون التعويض مقسطاً كما يصح أن يكون إيراداً مرتباً ويقدر بالنقد ، على انه يجوز للقاضي تبعاً للظروف وبناء على طلب المضرور أن يأمر بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه أو أن يحكم بأداء أمر معين متصل بالعمل غير المشروع ( م 171 ) . ويقدر القاضي ، عند عدم النص ما إذا كان هناك التزام طبيعي ( م 200 ) . وللقاضي أن يعين الميعاد المناسب لحلول أجل الدين إذا كان لوفاء مشترطاً عند المقدرة أو الميسرة ( م 272 ) . وله أن ينظر المدين إلى أجل معقول أو آجال ينفذ فيها التزامه ( م 346 فقرة 2 ) . وله أن يمنع توجيه اليمين الحاسمة إذا كان الخصم متعسفاً في توجيهها ( م 410 فقرة 1 ) . وإذا التصق منقولان لمالكين مختلفين بحيث لا يمكن فصلها دون تلف ولم يكن هناك اتفاق بين المالكين ، قضت المحكمة في الأمر مسترشدة بقواعد العدالة ، ومراعية في ذلك الضرر الذي حدث وحالة الطرفين وحسن نية كل منهما ( م 931 ) . ويجوز للقاضي بناء على طل بالمالك أن يقرر ما يراه مناسباً للوفاء بالمصروفات الضرورية والنافعة ، وله أن يقضي بأن يكون الوفاء على أقساط دورية ( م 982 ) .
ومن النصوص ما يجيز للقاضي أن يستكمل شروط العقد وان يعدل في الشروط المتفق عليها . فإذا اتفق الطرفان على جميع المسائل الجوهرية في العقد ، واحتفظا بمسائل تفصيلية يتفقان عليها فيما بعد ، ولم يشترطا أن العقد لا يتم عند عدم الاتفاق عليها ، اعتبر العقد قد تم ، وإذا قام خلاف في المسائل التي لم يتم الاتفاق عليها فان المحكمة تفصل فيها طبقاً لطبيعة المعاملة ولأحكام القانون والعرف والعدالة ( م 95 ) . وإذا اتفق على أجر للوكالة كان هذا الأجر خاضعا لتقدير القاضي ( م 709 فقرة 2 ) . وقد رأينا انه يجوز للقاضي في الاستغلال أن ينقص التزامات المتعاقد المغبون ( م 129 ) ، وان تنقص من العقد إذا كان في شق منه باطلا ( م 143 ) ، وان يحوله إلى عقد آخر توافرت أركانه إذا كان في الصورة التي هو عليها باطلا وتبين أن نية المتعاقدين كانت تنصرف إلى إبرام العقد الآخر ( م 144 ) ، وان يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول في حالة الحوادث الطارئة ( م 147 فقرة 2 ) ، وان يعدل الشروط التعسفية في عقود الإذعان ( م 149 ) ، وان يقضي بالتعويض النقدي إذا كان التعويض العيني مرهقاً ( م 203 فقرة 2 ) ، وان يخفض التعويض المتفق عليه في الشرط الجزائي إذا كان مبالغاً فيه إلى درجة كبيرة ( م 224 فقرة 2 ) .

عوامل الاستقرار في التقنين الجديد :

أهم هذه العوامل هي المعايير الموضوعية التي أكثر التقنين الجديد منها ، ثم الأخذ بالإرادة الظاهرة دون الإرادة الباطنة في بعض الحالات .

1 - المعايير الموضوعية :

رأينا فيما قدمناه كيف أن التقنين الجديد يكثر من اتخاذ المعايير المرنة التي تعين على التطور ، وبقي الآن أن نرى كيف أن الكثرة الغالبة من هذه المعايير هي معايير موضوعية لا معايير ذاتية كالتي سبق أن ذكرناها . وقد أريد بذلك إيجاد نوع من التعادل بين التطور والاستقرار . فالمعيار الموضوعي ، من حيث هو معيار عامل للتطور ، ومن حيث هو موضوعي عامل للاستقرار . والموضوعية ، وهي صنو للإرادة الظاهرة ، بل هي الأصل الذي تنتمي إليه هذه الإرادة ، من أكبر عوامل الاستقرار . وهي من مميزات التقنين الجديد . وقد أراد هذا التقنين أن يتخفف من حدة النزعة الذاتية التي تميز التقنينات اللاتينية ، فأخذ بالإرادة الظاهرة وبالموضوعية معاً ، ولكن بقدر متفاوت ، إذ أقل من الأخذ بالإرادة الظاهرة واكثر من الأخذ بالموضوعية ، إلى حد انه عندما كان في بعض المسائل يتخذ معايير ذاتية لم يتخذها معايير ذاتية محضة بل رسم لها ضوابط موضوعية ليضفى عليها شيئاً من الثبات والاستقرار . ونأتي بأمثلة من نصوص التقنين الجديد لمعايير موضوعية ، ثم لمعايير ذاتية لها ضوابط موضوعية .
فمن المعايير الموضوعية معيار بكثر التقنين الجديد من ذكره ، وهو معيار " عناية الشخص المعتاد " . ويرجع هذا المعيار إلى عهد القانون الروماني ، فهو معروف فيه ، شائع في نواحيه المختلفة . ذكره التقنين الجديد كأصل من أصول الالتزام بعمل ، فنص في الفقرة الأولى من المادة 211 على انه إذا كان المطلوب من المدين هو أن يحافظ على الشيء أو أن يقوم بإدارته أو أن يتوخى الحيطة في تنفيذ التزامه ، فإن المدين يكون قد وفى بالالتزام إذا بذل في تنفيذه من العناية كل ما يبذله الشخص العادي ولو لم يتحقق الغرض المقصود . ثم طبقه في نواح متفرقة ، في العقود وفي غيرها . فالشريك في عقد الشركة عليه أن يبذله من العناية في تدبير مصالح الشركة ما يبذله في تدبير مصالحه الخاصة ، إلا إذا كان منتدبا للإدارة بأجر فلا يجوز له أن ينزل في ذلك عن عناية الرجل المعتاد ( م 521 فقرة 2 ) . والمستأجر في عقد الإيجار يجب عليه أن يبذل من العناية في استعمال العين المؤجرة وفي المحافظة عليها ما يبذله الشخص المعتاد ( م 583 فقرة 1 ) . والمستعير في عقد العارية عليه أن يبذل في المحافظة على الشيء المعار العناية التي يبلها في المحافظة على ماله دون أن ينزل في ذلك عن عناية الرجل المعتاد ( م 641 فقرة 1 ) . والعامل في عقد العمل يجب عليه أن يبذل في تأدية العمل من العناية ما يبذله الشخص المعتاد ( م 685 ( أ ) ) . والوكيل في عقد الوكالة يجب عليه ، إذا كانت الوكالة بغير أجر ، أن يبذل في تنفيذها العناية التي يبذلها في أعماله الخاصة دون أن يكلف في ذلك أزيد من عناية الرجل المعتاد ، فإن كانت بأجر وجب عليه أن يبذل دائماً في تنفيذها عناية الرجل المعتاد ( م 704 ) . والمودع عنده في عقد الوديعة يجب عليه إذا كانت الوديعة بغير أجر أن يبذل من العناية في حفظ الشيء المودع ما يبذله في حفظ ماله دون أن يكلف في ذلك أزيد من عناية الرجل المعتاد ، أما إذا كانت الوديعة باجر فيجب أن يبذل في حفظ الوديعة عناية الرجل المعتاد ( م 720 ) . والحارس في الحراسة الاتفاقية أو القضائية يلتزم بالمحافظة على الأموال المعهود إليه حراستها وبإدارة هذه الأموال ، ويجب أن يبذل في كل ذلك عناية الرجل المعتاد ( م 734 فقرة 1 ) . والفضولي يجب عليه أن يبذل في القيام بالعمل عناية الشخص المعتاد ( م 192 ) – ومن المعايير الموضوعية ، ما نص عليه التقنين الجديد في الاستغلال ، إذ لا يجوز الطعن في العقد بهذا الوجه إلا إذا كانت التزامات أحد المتعاقدين لا تتعادل البتة مع ما حصل عليه هذا المتعاقد من فائدة بموجب العقد أو مع التزامات المتعاقد الآخر ( م 129 فقرة 1 ) . وما نص عليه في الخلف الخاص ، من أن الالتزامات والحقوق المتصلة بالشيء تنتقل إليه في الوقت الذي ينتقل فيه الشيء إذا كانت من مستلزماته ( م 146 ) . وما نص عليه في المسئولية عن الغير ، من أن الشخص يكون مسئولا عن كل من يجب عليه قانوناً أو اتفاقاً رقابته وكان في حاجة إلى الرقابة بسبب قصره أو بسبب حالته العقلية أو الجسمية ( م 173 فقرة 1 ) . وما نص عليه في المسئولية عن الأشياء ، من أن الشخص يكون مسئولا إذا تولى حراسة أشياء تتطلب حراستها عناية خاصة ( م 178 ) ( [11] ) . وما نص عليه في تحديد الضرر المباشر ووجوب التعويض عنه ، من أن التعويض يشمل ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب بشرط أن يكون هذا نتيجة طبيعية لعدم الوفاء بالالتزام أو للتأخر في الوفاء به ، ويعتبر الضرر نتيجة طبيعية إذا لم يكن في استطاعة الدائن أن يتوقاه ببذل جهد معقول ( م 221 ) . وما نص عليه في تحديد العيب الخفي في الشيء المبيع ، من انه عيب ينقص من قيمة الشيء أو من نفعه بحسب الغاية المقصودة مستفادة مما هو مبين في العقد أو مما هو ظاهر من طبيعة الشيء أو الغرض الذي أعدله ( م 447 فقرة 1 ) . وما نص عليه في الإيجار ، من وجوب أن يكون استغلال المستأجر للأرض الزراعية موافقاً لمقتضيات الاستغلال المألوف ( م 613 ) . وما نص عليه في التزام المرافق العامة ، من أن ملتزمي هذه المرافق إذا اثتبوا القوة القاهرة جاز لهم أن يدفعوا مسئوليتهم عما يصيب المرفق من عطل أو خلل يزيد على المألوف في مدته أو في جسامته ( م 673 فقرة 2 ) .
ومن المعايير الذاتية المحددة بضوابط موضوعية ، ما نص عليه التقنين الجديد في الفقرة الثانية من المادة 150 من وجوب البحث في تفسير العقد عن النية المشتركة للمتعاقدين – وهذا هو معيار ذاتي – مع الاستهداء في ذلك بطبيعة التعامل وبما ينبغي أن يتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين وفقاً للعرف الجاري في المعاملات – وهذه هي ضوابط موضوعية . وما نص عليه في تحديد العذر المقبول للرجوع في الهبة – وهو معيار ذاتي كما قدمنا ، بضوابط موضوعية ، منها أن يخل الموهوب له بما يجب عليه نحو الواهب بحيث يكون هذا الإخلال جحوداً كبيراً من جانبه ، وأن يصبح الواهب عاجزاً عن أن يوفر
لنفسه أسباب المعيشة بما يتفق مع مكانته الاجتماعية ( م 501 ) . وما نص عليه في مواضع كثيرة متفرقة في اشتراط العلم ، من أن الشخص يكون عالماً بالشيء – وهذا معيار ذاتي – أو أن يكون من المفروض حتما أن يعلم به – وهذا ضابط موضوعي ( أنظر المادتين 104 و 106 في النيابة والمواد 120 و 126 و 128 في الغلط والتدليس والإكراه ) ، وما نص عليه في الغلط في المادة 124 ، من انه ليس لمن وقع في غلط أن يتمسك به على وجه يتعارض مع ما يقضي به حسن النية – وهذا معيار ذاتي – ويبقى بالأخص ملزماً بالعقد الذي قصد إبرامه إذا اظهر الطرف الآخر استعداده لتنفذ هذا العقد – وهذا ضابط موضوعي .

2 - الإرادة الظاهرة :

والى جانب المعايير والضوابط الموضوعية ، أخذ التقنين الجديد في بعض الحالات بالإرادة الظاهرة دون الإرادة الباطنة توخياً لاستقرار التعامل . كما أخذ في حالات أخرى بالتصرف المجرد ، وهو ضرب من الإرادة الظاهرة ، للغرض ذاته . وقد تقدم بيان ذلك كله .

ب - التقنين الجديد بين الفرد والجماعة :

وقف التقنين الجديد بين الفرد والجماعة موقوفاً معتدلا عادلا . فلم يضح الفرد لمصلحة الجماعة ، ولم يسخر الجماعة لخدمة الفرد . ونبين هنا كيف حمي الفرد ، وكيف حمي الجماعة .

حماية التقنين الجديد للفرد :

لم يقصر التقنين الجديد في حماية الفرد ، ولم يتهاون في أن يفسح للحرية الفردية مجالا معقولا ، سواء كان ذلك في نطاق العقد أو في نطاق الملكية .
ففي نطاق العقد ، أقر مبدأ سلطان الإرادة بالرغم مما أورد عليه من قيود تقدم بيانها . فلا يزال الفرد حراً في أن يتعاقد ، ولا تزال إرادته هي التي تنشئ العقد ، وهي التي ترتب آثاره ، فيتم العقد بمجرد أن يتبادل طرفاه التعبير عن ارادتين متطابقتين ، فإذا تم فهو شريعة المتعاقدين . ولا يزال العقد هو أحد المصادر الرئيسية للالتزامات ، ولم ينزل عن مكانته . وإذا كانت مصادر أخرى كالعمل غير المشروع قد ارتفعت إلى منزلة العقد ، فإن ذلك لم ينتقص من أهمية العقد ولا من خطه . وإذا كنا قد بعدنا ، بما ورد على الإرادة من قيود لمصلحة كل من الجماعة والفرد ، عن مذهب الفردية المتطرفة التي كانت سائدة في أوائل القرن التاسع عشر ، والتي تشبع بها التقنين المدني الفرنسي عند صدوره ، فإن التقنين الجديد لا يزال يحترم إرادة الفرد ، ويقر ما تتجه إلى تحقيقه من آثار ، في حدود معقولة مقبولة ، في عصر تطور فيه مذهب الفردية تطوراً خطيراً ونزل فيه عن كثير من مظاهر الغلو .
وفي نطاق الملكية ، استبقى التقنين الجديد الملكية الفردية ، وحماها من الاعتداء فلمالك الشيء وحده حق استعماله واستغلاله والتصرف فيه ، وله الحق في كل ثماره ومنتجاته وملحقاته ، ولا يجوز أن يحرم أحد ملكه إلا في الأحوال التي يقررها القانون ، وبالطريقة التي يرسمها ، ويكون ذلك في مقابل تعويض عادل . والمالك حر التصرف في ملكه ، إذا شاء نزل عنه إلى غيره بمقابل أو بغير مقابل ، وإذا شاء استبقاه ينتقل عنه بعد موته إلى ورثته ولمن أوصى لهم . وخفف التقنين الجديد من بعض قيود كانت تثقل الملكية في التقنين القديم . من ذلك الحق في الشفعة ، ضيق منه وأحاطه بقيود جديدة . ومن ذلك الحكر ، قصر مداه ، وقيد نطاقه ، فلا يجوز التحكير لمدة تزيد على ستين سنة ، ولا يجوز ترتيب حكر على أرض غير موقوفة .
فالتقنين الجديد يحمي الفرد إذن من مظهرين رئيسيين من مظاهر نشاطه : حريته في التعاقد وحريته في التملك .

 حماية التقنين الجديد للجماعة :

ولكن القانون الجديد يتمشى مع روح عصره ، ويساير التطورات الخطيرة التي اعتورت مذهب الفردية . وآية ذلك تراها أيضاً في نطاق العقد وفي نطاق الملكية .
ففي نطاق العقد ، قيد التقنين الجديد سلطان الإرادة إلى مدى بعيد ، فهو محوط بكثير من القيود لمصلحة الجماعة سبق بيانها تفصيلا فيما أسلفناه . ويتميز التقنين الجديد في هذا الصدد بأنه التزم في العلاقات التعاقدية حماية الجانب الضعيف . فحيث يختل التوازن بين طرفي العقد ، ويقف احدهما مغلول اليد أمام الطرف الآخر ، فإن الجماعة يعنيها أن تحمى الطرف الضعيف وهو يواجه الطرف القوي ن وأن تقيله من عثاره . رأينا التقنين الجديد يفعل ذلك في عقود الإذعان ، وفي نظرية الاستغلال ، وفي نظرية الحوادث الطارئة ، وفي عقد العمل ، وفي عقد التأمين ، وفي أحكام أخرى كثيرة سبق ذكرها . ومن ثم نرى أن التقنين الجديد طابعه حماية المدين ، وهو في ذلك على النقيض من التقنين القديم الذي كان يمعن في حماية الدائن . ففي فوائد الدين لم يقتصر التقنين الجديد على تخفيض سعر الفوائد القانونية والاتفاقية ، بل أضاف إلى ذلك قيوداً كثيرة في تقاضي الفوائد ذكرناها تفصيلا فيما تقدم ( انظر المواد 229 و 230 و 232 و 544 ) .
ثم إنه قيد إلى مدي بعيد من حق الدائن في الاختصاص بعقار المدين . فجعل هذا الحق ، كما رأينا ، لا يجوز الحصول عليه إلا إذا كان بيد الدائن حكم واجب التنفيذ ( م 5801 فقرة 1 ) . ولم يجز بعد موت المدين أخذ اختصاص على عقار فى التركة ( م 5801 فقرة 2 ) . ولم يجز الاحتجاج على الدائنين الذين يكون لهم حقوق سابقة على تسجيل صحيفة دعوي الإعسار بأي اختصاص يقع على عقارات المدين بعد هذا التسجيل ( م 256 فقرة 2 ) . وأجاز ، كما قدمنا ، لكل ذى مصلحة أن يطلب إنقاص الاختصاص إلى الحد المناسب إذا كانت الأعيان التي رتب عليها هذا الحق تزيد قيمتها على ما يكفى لضمان الدين ( م 1049 فقرة 1 ) .
وفى نطاق الملكية ، قفز التقنين قفزة واسعة فى جعل الملكية وظيفة اجتماعية أكثر منها حقاً فردياً . بل إن المشروع التمهيدي صرح بذلك فى أحد نصوصه ، فذكر فى المادة 1162 منه أن لمالك الشيء مادام ملتزماً حدود القانون أن يستعمله وأن ينتفع به وأن يتصرف فيه دون أي تدخل من جانب الغير ، بشرط أن يكون ذلك متفقا مع ما لحق الملكية من وظيفة اجتماعية . ولم تحذف هذه العبارة الأخيرة فى المشروع النهائي قصداً إلى حذف حكمها . بل لأنها ، كما جاء فى الأعمال التحضيرية ( [12] ) ، بالإيضاحات الفقهية ، وأن فى التطبيقات التى أوردها المشروع فى النصوص التالية ما يغنى عنها " . وقد تضمنت النصوص التالية فعلا من القيود على حق الملكية ما يجعل هذا الحق وظيفة اجتماعية روحاً ومعنى . فأوجبت المادة 807 على المالك ألا يغلو على استعمال حقه إلى حد يضر بملك الجار . وتكفلت المواد 808 - 824 بإيراد سلسلة من القيود على حق الملكية ، فى الشرب والمجرى والمسيل وحق المرور والحائط المشترك والمطلات وشرط عدم التصرف وما إلى ذلك من القيود القانونية والاتفاقية . بما يغل يد المالك فى استعمال ملكه لا للمصلحة العامة فحسب ، بل أيضاً لمصلحة الجيران ، وبما يبرز فكرة التضامن الاجتماعي متغلغة في الصميم من نظام الملكية . وترى ذلك أيضاَ فيما قدمناه فى نظام الشيوع وكيف جعل التقنين الجديد الكلمة العليا لأغلبية الملاك حتى يخضع الأقلية لحكم التضامن ( م 828 و 829 و 832 ) . وقد اسلفنا وترى ذلك فى ملكية الأسرة ( م 851 - 855 ) ، وفى ملكية الطبقات ( م 856 - 861 ) .وقد أسلفنا الإشارة إلي كل ذلك .
وبعد ، فهذا طرف من القيود التي يضعها التقنين الجديد على حرية التعاقد وعلى حف الملكية . وتبين من ذلك أن هذا التقنين قد خطا خطوات واسعة فى سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية . وما هو فى هذا إلا مرآة لعصره ، تنعكس عليه صور التطورات العميقة التى مر بها القانون فى خلال قرن ونصف قرن ، منذ صدور التقنين المدني الفرنسي ذى النزعة الفردية .
***
ويأبى التقنين الجديد أن يكون متخلفاً عن عصره . وما هو إلا صورة صادقة لمدنية الجيل الذى ظهر فيه .


([1]) أنظر فى هذا المعنى الدكتور محمود أبو عافية فى رسالته (( التصرف القانونى المجرد )) نسخة عربية ص 274 – ص 279 ، والدكتور أحمد زكى الشيتى فى المذكرة التى تقدم بها إلى معهد القانون المقارن بجامعة باريس سنة 1949 ص 25 – ص26 ، وانظر بنوع خاص ما ورد فى هذه المذكرة ( ص37 – ص40 ) عن نظرية الثقة (Vertrauens theorie ) التى أخذ بها التقنين الألمانى متوسطاً فى ذلك بين نظرية الإرادة الظاهرة ونظرية الإرادة الباطنة .
([2]) أنظر فى هذا المعنى التقرير الذى تقدم به الأستاذ مورى (Maury) إلى مؤتمر الأسبوع الدولى للقانون الذى عقد بباريس سنة 1950               ص 12 . ويقارن الأستاذ بين التقنين الجديد وبين القانون الفرنسى من جهة والقانون الألمانى من جهة أخرى فى ص 10 إلى ص 12 .
([3]) مثل ذلك تعريف العقد والمعايير الموضوعية والعقود التى تقوم على الإرادة الظاهرة وغير ذلك مما سنورده تفصيلا فيما يلى .
([4]) أنظر فى هذا المعنى تقرير الأستاذ مورى المشار إليه وتقرير الدكتور شفيق شحاته المقدم إلى مؤتمر الأسبوع الدولى الذى تقدم ذكره . وجاء فى مبسوط القانون المقارن للأساتذة ببير أرمانجون والبارون بوريس نولد ومارتن وولف ، باريس 1950 جزء ثان ص 618 و (Traite do Droit Compare, par Pierre arminjon, Baron Boris Nolde, Martin Wolff, Paris 1950, II, page 618 ) ، وفى تقدير التقنين الجديد ما يأتى : (( إن مبادئ ( التقنين المصرى الجديد ) ، وتكييفاته القانونية ، ومصطلحاته الفنية ، وقواعده الأساسية ، هى فى مجموعها ما تراه فى القانون الفرنسى . على أن التقنين المصرى الجديد هو بالرغم من ذلك عمل مبتدع لما يمتاز به من وضوح ودقة )) .
(Dans leur ensemble, ses principes, ses qualifications, sa terminologie, ses réglés fondamentales sont celles du droit français. Cette ceuvre, remarquable par sa clarté et sa précision, est néanmoins originale ) .
([5]) ويمكن القول ، من ناحية نظر أخرى ، أن ما رتبه القانون من جزاء على الاستغلال والإذعان هو احترام لسلطان الإرادة ، وإذا كان القانون لا يعتد اعتداداً كاملا بالإرادة المستغلة أو المذعنة ، فذلك لأن الإرادة هنا لم تستكمل حريتها ، ولا سلطان إلا للإرادة الحرة .
([6]) أنظر أيضاً فى حالتين أخريين المادتين 925 و 928 .
 ( [7] ) على أن التقنين الجديد ، من جهة أخرى ، قد بسط في سلطان الإرادة عندما استبقاها في بعض الفروض نتج اثراً آخر غير الأثر المقصود أصلاً ، بعد أن ابطل اثرها الأصل . نرى ذلك في انتقاص العقد وفي تحويله . فقد نصت المادة 143 على أنه " إذا كان العقد في شق منه باطلا أو موقوفا ، فهذا الشق وحده هو الذي يبطل أو يقف ، إلا إذا تبين أن العقد ما كان ليتم بغير الشق الذي وقع باطلا أو موقوفا فيبطل العقد كله " . ونصت المادة 1244 على أنه " إذا كان العقد باطلا أو قابلا للإبطال وتوافرت فيه أركان عقد أخر ، فان العقد يكون صحيحا باعتباره العقد الذي توافرت أركانه ، إذا تبين أن نية المتعاقدين كانت تنصرف إلى إبرام هذا العقد " .
 ( [8] ) وقل مثل ذلك في السبب غير المشروع إذا لم يعلم به المتعاقد الآخر ولم يكن يستطيع أن يعلم به – هذا ويمكن الوصول إلى النتيجة ذاتها من طريق الاعتداد بالإرادة الحقيقة ، فيقال إن العقد في الحالات المتقدمة في الغلط والتدليس والإكراه يجوز إبطاله لفساد الإرادة ، وسكن يرجع المتعاقد الآخر – وهو لا ذنب له – على المتعاقد الأول بالتعويض ، وخير تعويض هو بقاء العقد صحيحاً .
 ( [9] ) هذا وقد أشرنا فيما تقدم إلى أن الدكتور أحمد زكي الشيتي في المذكرة التي تقدم بها إلى معهد القانون المقارن بجامعة باريس في سنة 1949 ( ص 37 – ص 40 ) يرى أن التقنين المدني الجديد قد أخذ بنظرية الثقة ( Vertrauenstheorie ) التي أخذ بها التقنينان الألماني والسويسري . وهذه النظرية وسط بين نظريتي الإرادة الظاهرة والارادة الباطنة ، فهي تأخذ بالإرادة التي استطاع من وجه إليه التعبير أن يتعرفها من خلال هذا التعبير مستعيناً بجميع الملابسات الموضوعية التي يجب عقلا أن تدخل في اعتباره . فالإرادة التي يعتد بها ، طبقاً لهذه النظرية ، هي الإرادة الباطنة التي يمكن التعرف عليها من خلال هذه الضوابط الموضوعية ( volonté reconnaissable ) .
 ولا شك في أن التقنين الجديد قد أخذ كقاعدة عامة بالإرادة الباطنة . ولكنه يتعرف عليها عن طريق الإرادة الظاهرة . فالإرادة الظاهرة وسيلة لا غاية .
 ( [10] ) أنظر في هذا المعنى : " القيود التعاقدية الواردة على حرية العمل – المعيار والقاعدة " ، رسالة بالفرنسية للمؤلف ليون سنة 1925 . هذا ولا يجوز الاعتراض على فكرة المعيار المرن بالخشية من تحكم القاضي ، وبأن هذا التحكم ممتنع إذا تقيد القاضي بقاعدة ثابتة . ذلك أن القاضي لا يلبث إزاء القاعدة الجامدة التي أصبحت لا تلائم الظروف أن يخرج عليها ، فينطلق إلى مجال يكون فيه أكثر تحكماً مما لو كان أمامه معيار تشريعي مرن مفروض عليه أن يسترشد به .
 ( [11] ) أما ما ورد في المادة ذاتها في شان المسئولية عن الآلات الميكانيكية فهو قاعدة لا معيار . وفي هذه المقابلة بين الأشياء التي تتطلب حراستها عناية خاصة والآلات الميكانيكية يتبين الفرق واضحاً بين المعيار والقاعدة .
 ( [12] ) مجموعة الأعمال التحضيرية 6 ص 13 وص 15 و ص 16 .


تذكار الفخار :
الأستاذ الدكتور/حسن علي الذنون 

"من لا يخلص لوطنه لا يخلص في عمله، ومن لا يخلص في عمله لا يخلص لوطنه ، فالعلاقة بين العمل والوطن ديناميكية أساسية وتنطوي على منظومة من القيم السامية"

الأستاذ الدكتور/حسن علي الذنون
- فقيه القانون-يعدُّ من الرواد -العراق .مواليد:الموصل سنة 1911
- -توفاه الله في السابع من يناير 2014 -كان من المعاصرين -وبمثابة تلميذ- للسنهوري وقد أخذ منه ورجع إليه السنهوري في الكثير عند كتابة موسوعته :الوسيط في شرح القانون المدني للمقارنة بين القوانين العربية

مواضيع ومجالات مقترحة

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"

أهلا وسهلا بك زائرنا المحترم
هذا العمل هو عمل متنامي يتطور باستمرار لاتحرمنا من ثواب مشاركتك أو متابعتك
بقدر ما تستطيع انشر وشارك المقالات مع معارفك واصدقاءك
فهذا ما يجعلنا نستشعر الاهتمام والتشجيع
فأعط لغيرك إمكانية الاستفادة والتعلم والبحث


ديوان صوت القوانين موقع صوت القوانين

×