واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله

شروح السنهوري -مرحبا بكم - نرجو لكم الاستفادة والنفع من الوسيط في شرح القانون المدني

آخر الشروح

الأربعاء، 5 أغسطس 2015

الرئيسية 3-القواعد التى قام عليها التنقيح

3-القواعد التى قام عليها التنقيح

نظرة  في التقنين المدنى الجديد

كيف وضع ، وكيف يكون تفسيره
وما استحدث من أحكام ، وما يرسم من اتجاهات عامة

1- تنقيح التقنين المدنى : كيف قامت فكرة التنقيح ، وكيف حققت .
2- القواعد التى قام عليها التنقيح : كيف عولجت عيوب التقنين القديم – مصادر التنقيح وطرق التفسير فى التقنين الجديد .
3- الفروق الجوهرية ما بين التقنين الجديد والقديم : ما استحدث التقنين الجديد من أحكام ، وما قننه وكان مغمولا به من قبل .
4- الاتجاهات العامة للتقنين الجديد : موقف التقنين الجديد من الاتجاهات العامة للتقنينات الحديثة – التقنين الجديد بين الاستقرار والتطور وبين الفرد والجماعة .
3- القواعد التى قام عليها التنقيح

كيف عولجت عيوب التقنين القديم – مصادر التنقيح وطرق التفسير فى التقنين الجديد

1- كيف عولجت عيوب التقنين القديم

( استعراض عام للتقنين الجديد )



كان الهم الأول لواضعى التقنين الجديد هو أن يعالجوا عيوب التقنين القديم سواء فى الشكل أو فى الموضوع .

1- كيف عولجت العيوب الشكلية :

رأينا أن التقنين القديم كان معيباً فى تبويبه ، ومعيباً فى ازدواج لغته وضعف أسلوبه . فلننظر كيف عولجت هذه العيوب فى التقنين الجديد .

( أولاً ) التبويب :

مشتملات التقنين الجديد : كان الأمر الأول الذى نظر فيه واضعو المشروع ، وهم يستفتحون عملهم ، هو أن يبحثوا كيف يكون تقسيم التقنين الجديد ، وكيف يبوب ، وكيف ترتب نصوصه فى كل باب ، وبتعبير آخر : ما هى الخطة Plan التى يوضع التقنين الجديد على مقتضاها . وذلك بعد أن وضح أن الخطة التى قام عليها التقنين القديم ، بما تحويه من عيوب وما يشوبها من نقص ، لا تصلح أن يقوم عليها التقنين الجديد .

ولكنهم ما لبثوا أن تبينوا أن هذا السؤال يسبقه سؤال آخر ، هو : أيشتمل التقنين الجديد على كل موضوعات القانون المدنى ، فيحتوى قانون الأسرة كما يحتوى قانون المعاملات ؟ قامت صعوبات واضحة حالت دون أن يندرج فى التقنين الجديد أحكام الأسرة ، فإن هذه الأحكام ليس مصدرها فحسب الشريعة الإسلامية ، بل إن لها مصادر أخرى دينية ، وهى لم توحد فى كل أجزائها بالنسبة إلى جميع المصريين . وحدت فى أحكام الصغير والمحجور ، ووحدت إلى حد كبير فى أحكام الميراث والوصية ، ولكنها لم توحد فى الزواج والطلاق والنسب . فرأى واضعو المشروع ألا يربكوا التقنين المدنى الجديد بعقبات يتعذر تذليلها ، واعتزموا الاقتصار على أحكام المعاملات . واستظهروا فيما رسموه لأنفسهم من ذلك اتجاهات واضحة بدت فى كثير من التقنينات الحديثة . فهذا التقنين البولونى ، والتقنين اللبنانى، والتقنين السوفييتى فى المعاملات ، بل والتقنين السويسرى فى الالتزامات ، وكلها من أحدث التقنينات وأشهرها ، لم يندرج فيها قانون الأسرة ، وظل هذا القانون وحده ، أو هو وقانون الحقوق العينية ، منفصلا عن سائر أجزاء القانون المدنى . فلا تثريب إذن على واضعى التقنين الجديد إذا هم أبقوا قانون الأسرة منفصلا ، وملابسات هذا القانون معروفة([1]) .

قسم عام للتقنين الجديد : وإذ رسم واضعو التقنين الجديد حدود هذا التقنين ومدى ما يشتمل عليه من موضوعات ، برز أمامهم سؤال جديد فرضته سياسة التقسيم والتبويب . فهل يكون للتقنين الجديد قسم عام على غرار هذا القسم الذى اشتمل عليه التقنين الألمانى ، وسايره فيه كثير من التقنينات الحديثة ؟ كان أمام واضعى التقنين الجديد مثلان متعارضان : مثل التقنين الألمانى وما تبعه من تقنينات أخرى ، ومثل التقنين الفرنسى وسائر التقنينات اللاتينية .

فالتقنينات اللاتينية لا تشتمل عادة على قسم عام ، وإنما تجتزئ بفصل تمهيدى قصير يتناول مصادر القانون وبعض قواعد موجزة فى تنازع القوانين أما التقنين الألمانى فقد حوى قسما عاما مسهبا اشتمل على مائتين وأربعين نصا ، تناول فيها كثيراً من الموضوعات العامة ، وخصص كثيراً من هذه النصوص لنظرية العمل القانونى              ( acte juridique ) فعرض فيها لتفصيلات كثيرة مما يندرج عادة فى النصوص الخاصة بالعقد . وكذلك فعل التقنين الصينى ، وقد اشتمل قسمه العام على 152 مادة . وحذا حذو التقنين الألمانى التقنين الأرجنتينى ( 331 مادة ) والتقنين البرازيلى ( 174 مادة ) وتقنين السوفييت ( 51 مادة ) . وهذه التقنينات جميعها تناولت فى هذا القسم العام جانباً من المسائل العامة كمصادر القانون والتعسف فى استعمال الحق والشخص الطبيعى والشخص المعنوى وتقسيم الأموال ، وأضافت إلى ذلك نصوصاً كثيرة فى نظرية العمل القانونى .

لم يتردد واضعو التقنين الجديد طويلا بين هذين المثلين . فقد رأوا أن مثل التقنينات اللاتينية من حيث الاكتفاء بفصل قصير فى الأحكام العامة لم يعد هو المثل المتبع فى التقنينات الحديثة . ولكنهم لم يأخذوا بمثل التقنين الألمانى كاملا ، ولم يدرجوا فى القسم العام نصوصاً تتناول أحكام العمل القانونى . فإن أصلح مكان لهذه النصوص فى تقنين ذى صبغة عملية هو الفصل الذى يخصص للعقد . ذلك أن العقد هو أهم الأعمال القانونية . فإذا ذكرت أحكامه فى القسم العام بعنوان العمل القانونى ، أصبح واضعو المشروع بين أن يغفلوا هذه الأحكام فى الفصل المخصص للعقد ، فيفقد هذا الفصل أهم الأحكام التى تندرج عادة فيه ، وبين أن يعيدوا ذكرها ، فيكون هذا تكراراً لما سبق . والخطة العملية فى ذلك هو أن تذكر هذه الأحكام فى الفصل المخصص للعقد ، ويحال عليها فيما يخص الأعمال القانونية الأخرى . هكذا فعل تقنين الالتزامات السويسرى ، وقد آثر التقنين الجديد مسايرته فى هذه الخطة العملية الحكيمة ([2]) .

وما كان بعد ذلك من مسائل عامة فقد احتواها الباب التمهيدى للتقنين الجديد . ويشتمل هذا الباب على ثمانية وثمانين نصا ، تناولت فى الفصل الأول منها القانون وتطبيقه ، فعددت مصادر القانون ، وقررت مبدأ التعسف فى استعمال الحق ، وذكرت الوقاعد الخاصة بتنازع القوانين من حيث الزمان ومن حيث المكان . وتناولت فى الفصل الثانى الأشخاص ، ففصلت أحكام الشخص الطبيعى وأحكام الشخص المعنوى بما يندرج فيه من جمعيات ومؤسسات . وخصصت الفصل الثالث لتقسيم الأشياء والأموال .

التقسيم الرئيسى للقانون الجديد : وبعد أن فرغ واضعو التقنين الجديد من تحديد مشتملات الباب التمهيدى ، كان عليهم أن يرسموا للتقنين تقسيماته الرئيسية . وقد توخوا فى هذا التقسيم أن يعالجوا عيوب التقنين القديم . فقد قدمنا :

( أولاً ) أن التقنين القديم جمع فى الكتاب الأول بين الأموال والحقوق العينية الأصلية ، وكان الأولى فصل هذه عن تلك ، فإن الأموال تكون محلا للحقوق العينية الحقوق الشخصية على السواء . وهذا ما فعله التقنين الجديد . فقد وضع تقسيم الأموال فى الباب التمهيدى ، فهيأ بذلك للفكرة الصحيحة من أن المال يصلح محلا للحقوق المالية كافة .

( ثانياً ) أن التقنين القديم فصل فى قسمين مستقلين نظرية الالتزام عن العقود المسماة ، ولم يكن هناك محل لهذا الفصل ، فالعقود المسماة إنما هى تطبيق من تطبيقات نظرية الالتزام . وقد توخى التقنين الجديد أن يجمع بين نظرية الالتزام والعقود المسماة فى قسم واحد ، جعله القسم الأول من التقنين . والبدء بنظرية الالتزام فى التقنين الجديد هو خير من البدء بالحقوق العينية الأصلية فى التقنين القديم . فإن نظرية الالتزام هى مفتاح القانون المدنى ، بل هى مفتاح القانون بوجه عام . فالبدء بها أمر تستوجبه البداهة ، وتقتضيه طبيعة الأشياء .

( ثالثا ) أن التقنين القديم خلط فى كتابه الرابع ، الذى عنونه بحقوق الدائنين ، بين التأمينات العينية وإثبات الحقوق العينية ودفاتر التسجيل . وقد تجنب التقنين الجديد هذا الخلط ، فترك إثبات الحقوق العينية ودفاتر التسجيل لقانون خاص هو قانون الشهر العقارى ، توقعاً للإصلاح الجوهرى الذى سيتم فى هذا الموضوع بعد إدخال السجل العقارى . واستبقى من هذه الموضوعات التأمينات العينية ، فجعلها بعنوان الحقوق العينية التبعية فى كتاب رابع ، يجئ بعد الكتاب الثالث فى الحقوق العينية الأصلية . وجمع بين الكتابين فى قسم واحد – هو القسم الثانى – لما بينهما من الصلة الوثيقة . وأورد التأمينات العينية كاملة ، فأدرج فيها رهن الحيازة على خلاف ما فعل التقنين القديم ، وحذف منها الحبس إذ لم يعتبره حقا عينيا .

ويخلص من ذلك أن التقسيم الرئيسى للتقنين الجديد يفضل كثيراً من ناحية المنطق تقسيم التقنين القديم . فالتقنين الجديد يبدأ بباب تمهيدى . ثم ينقسم إلى قسمين ، أحدهما للحقوق الشخصية ، والثانى للحقوق العينية . ويتجزأ القسم الأول إلى كتابين ، أحدهما لنظرية الالتزام ، والثانى للعقود المسماة . وكذلك يتجزأ القسم الثانى إلى كتابين آخرين ، أحدهما للحقوق العينية الأصلية ، والثانى للحقوق العينية التبعية .

التبويب التفصيلي للتقنين الجديد : وفى تبويب الأقسام الرئيسية ، يفضل التقنين الجديد التقنين القديم .

فالكتاب الأول من التقنين الجديد ، الذى خصص لنظرية الالتزام ، لوحظ فى تبويبه تجنب العيوب التى وقع فيها التقنين القديم . وقد تقدم أن هذا التقنين بدأ بنظرية الالتزام فى ذاته ، ثم تركها ، قبل أن يفرغ منها ، إلى مصادر الالتزام . فتناول العقد ، ثم جمع بين مصدرين مستقلين كان الواجب فصل أحدهما عن الآخر ، هما العمل غير المشروع والإثراء بلا سبب ثم هو ، بعد أن يفرغ من مصادر الالتزام ، يعود إلى نظرية الالتزام فى ذاته ، فيتناول أسباب انقضائه ، ويورد هذه الأسباب فى غير ترتيب منطقى ثم يختم نظرية الالتزام بباب مشوش فى طرق إثباته . ويترك انتقال الالتزام – ولا يعرف منه إلا إحدى صورتيه – إلى جهة منزوية فى الفصل الأخير من عقد البيع . أما التقنين الجديد فيبوب الكتاب الأول فى نظرية الالتزام تبويباً منطقياً عملياً فى وقت واحد ، فيجعل الباب الأول من هذا الكتاب لمصادر الالتزام . ويورد هذه المصادر مرتبة ترتيباً علمياً حديثاً فيبدأ بالعقد ، ويتناول أركانه فآثاره فانحلاله . وينتقل بعد ذلك إلى الإرادة المنفردة ([3]) فالعمل غير المشروع فالإثراء بلا سبب ، فالقانون . وهو فى كل فصل من هذه الفصول يرتب النصوص ترتيباً تتسلسل الأحكام فيه تسلسلا يمليه المنطق والعمل . ثم يجعل الباب الثانى لآثار الالتزام فيتناول التنفيذ العينى ، والتنفيذ بطريق التعويض ، ويعرض بعد ذلك لما يكفل حقوق الدائنين العاديين ، فيتناول الدعوى غير المباشرة والدعوى البوليصية ودعوى الصورية والحق فى الحبس والإعسار المدنى . وهذا الباب على ما فى تنسيقه من مشقة ، قد رتبت نصوصه ترتيبا قل أن تجد له نظيراً فى التقنينات الحديثة . ثم يعرض الباب الثالث للأوصاف المعدلة لأثر الالتزام فيتناول الشرط والأجل ثم ينتقل إلى تعدد محل الالتزام فيتكلم فى الالتزام التخييرى والالتزام البدلى ، وإلى تعدد طرفى الالتزام فيتكلم فى التضامن وعدم القابلية للانقسام . ثم يخصص الباب الرابع لانتقال الالتزام ، فيتناول حوالة الحق ثم حوالة الدين ، فيستكمل بذلك نقصا فى القانون القديم كان ملحوظا . ثم يعرض الباب الخامس لانقضاء الالتزام ، فيرتب أسباب الانقضاء ترتيباً عملياً معقولا . ويختم التقنين الجديد نظرية الالتزام بباب سادس فى إثبات الالتزام ([4]) .

والكتاب الثانى من التقنين الجديد خصص للعقود المسماة . وقد قدمنا أن التقنين القديم أورد هذه العقود فى غير ترتيب واضح . أما التقنين الجديد فقد بوبها تبويباً تسهل متابعته . فجعل الباب الأول للعقود التى تقع على الملكية ، وتناول فيه البيع فالمقايضة فالهبة فالشركة فالقرض فالصلح . وجعل الباب الثانى للعقود التى تقع على الانتفاع ، وتناول فيه الإيجار فالعارية .وجعل الباب الثالث للعقود الواردة على العمل ، وتناول فيه المقاولة والتزام المرافق العامة فعقد العمل فالوكالة فالوديعة فالحراسة . وجعل الباب الرابع لعقود الغرر ، وتناول فيه المقامرة والرهان فالمرتب مدى الحياة فعقد التأمين . وختم أبواب الكتاب الثانى بباب خامس فى عقد الكفالة .

والكتاب الثالث من التقنين الجديد خصص للحقوق العينية الأصلية . وقد تقدم أن التقنين القديم فى هذا الموضوع خلط بين قيود الملكية وحقوق الارتفاق ، ولم يعرض الملكية فى الشيوخ ، ولم يراع أى ترتيب منطقى أو عملى فى إيراد أسباب كسب الملكية . أما التقنين الجديد فجعل الباب الأول من هذا الكتاب لحق الملكية . فتكلم فى حق الملكية بوجه عام ، متناولا نطاق هذا الحق ووسائل حمايته والقيود التى ترد عليه مميزاً إياها عن حقوق الارتفاق ، ثم خصص للملكية الشائعة نصوصاً مستفيضة ، وفصل أحكامها تفصيلا مبيناً ، وانتقل بعد ذلك إلى أسباب كسب الملكية فأوردها فى ترتيب ذى صبغة عملية . فالملكية إما أن تكسب ابتداء بالاستيلاء ، أو تنتقل من مالك إلى آخر . ويكون ذلك تارة بسبب الموت فى الميراث والوصية ، وطوراً ما بين الأحياء فى الالتصاق والعقد والشفعة والحيازة ([5]) . وجعل الباب الثانى للحقوق المتفرعة عن حق الملكية ، فتناول هذا الباب حق الانتفاع فحق الحكر ، فحق الارتفاق .

والكتاب الرابع من التقنين الجديد خصص للحقوق العينية التبعية ، وهى التأمينات العينية . فوردت هذه التأمينات فى أبواب أربعة ، الباب الأول فى الرهن الرسمى ، والثانى فى حق الاختصاص ، والثالث فى رهن الحيازة ، والرابع فى حقوق الامتياز .

كل هذا والتقنين الجديد ، فى الترتيب التفصيلى لكل باب من أبوابه ، يجرى ، خلافاً للتقنين القديم ، على نحو من التسلسل المنطقى ومن وضوح الفكرة بحيث يسهل على الباحث أن يدرك ما ينتظم مسائله المتعاقبة من ارتباط وتناسق ، وبحيث تتيسر له متابعته فى غير عناء .

( ثانيا ) اللغة والأسلوب :

ولا شك فى أن التقنين الجديد ، فى لغته وفى أسلوبه التشريعى ، أرقى من التقنين القديم . فقد أفاد من رقى لغة القانون وأسلوبه فى مصر طوال سبعين عاما حتى لقد أصبح التقنينان القديم والجديد يمثلان عصرين مختلفين جد الاختلاف فى اللغة وفى الأسلوب .

نضيف إلى ذلك أن التقنين الجديد خلا من عيب ازدواج اللغة . فالنص العربى هو النص الرسمى والنص الأصلى فى وقت معا .

وبرئ التقنين الجديد من هذا الضعف فى التعبير وهذه الركاكة فى الأسلوب ، اللذين كانا ينزلان بكثير من نصوص التقنين القديم إلى منزلة العامى من الألفاظ . ولم تعد المصطلحات القانونية تضطرب فيه وتتعارض ، بل إن المصطلح القانونى ليرد فى جميع النصوص لفظا واحدا لا يتبدل ولا يتغير .

ب- كيف عولجت العيوب الموضوعية :

وقد عالج التقنين الجديد العيوب الموضوعية التى كانت متفشية فى التقنين القديم . فاستحدث أحكاما جديدة ، واستوفى مسائل ناقصة ، وجمع نصوصا متناثرة .

استحدث التقنين الجديد أحكاما كانت تنقص التقنين القديم . من ذلك القواعد المتعلقة بتنازع القوانين من حيث الزمان والمكان ، والشخصية المعنوية وما يتصل بها من تنظيم للجمعيات والمؤسسات ، وحوالة الدين ، والتزام المرافق العامة ، وعقد العمل ، وعقد التأمين ، وعقد الهبة ، والحكر ، وإيجار الوقف . ويسبق هذا كله فى الأهمية موضوعان جديدان كنا فى أشد الحاجة إليهما ، هما تنظيم الإعسار المدنى وتصفية التركة .

واستوفى التقنين الجديد مسائل كانت فى التقنين القديم شديدة الاقتضاب على مالها من خطر . من ذلك القواعد المتعلقة بتكوين العقد ، والدعوى البوليصية ، والاشتراط لمصلحة الغير ، والمسئولية العقدية ، والمسئولية التقصيرية ، والحراسة ، والملكية الشائعة ، ورهن الحيازة ، وحق الاختصاص .

وجمع التقنين الجديد فى بعض الموضوعات ما تناثر من أحكامها فى جهات متفرقة ، فلم شتاتها ، وعرضها جملة واحدة بحيث يتكشف ما بين أجزائها من صلات وثيقة . من ذلك موضوع الحيازة ، وحقوق الارتفاق ، وحقوق الامتياز ، والحق فى الحبس ، والنيابة فى التعاقد .

ونكتفى هنا بهذه الإشارة . وسنتناول بالتفصيل هذه المسائل عند الكلام فى الفروق الجوهرية ما بين التقنين الجديد والقديم .

2- مصادر التنقيح وطرق التفسير فى القانون الجديد

يعنينا أن نبين هنا المصادر التى استقى منها التنقيح ، وأن نرسم إلى جانب كل مصدر السياسة التى يتوخاها القاضى والفقيه فى تفسير النصوص التى استقيت من هذا المصدر .

ومصادر التنقيح ثلاثة :

أ- أولها وأهمها نصوص التقنين المدنى القديم ، بعد أن هذبت ، وأضيف إليها أحكام القضاء المصرى طوال سبعين سنة ، بقى فيها هذا القضاء يعمل فى تفسير هذه النصوص وتطبيقها . والنصوص التى استقيت من هذا المصدر تكاد تستغرق ثلاثة أرباع التقنين الجديد . ومن ثم نرى أن هذا القانون لم يحدث انقلاباً فى المعاملات المدنية . فلا تزال القواعد المدنية القديمة ، كما بسطها التقنين القديم وقررها القضاء ، هى السائدة فى التقنين الجديد .

ب- وثانى هذه المصادر هو الفقه الإسلامى . فقد استبقى التقنين الجديد ما أخذ التقنين القديم عن هذا الفقه ، وأضاف مسائل جديدة إلى ما سبق أخذه .

جـ- وثالث هذه المصادر هى التقنينات الحديثة . فقد استحدث القانون الجديد موضوعات أخذها عن هذه التقنينات ، واستأنس فى موضوعات أخرى بما تميزت به هذه التقنينات من تقدم فى الصياغة ورقى فى الأسلوب التشريعى . فانتفع إلى مدى بعيد بالتقدم العظيم الذى بلغه فن التقنين المدنى الحديث .

أ- نصوص التقنين المدنى القديم وأحكام القضاء المصرى

أولاً – ما الذى استقاه التقنين الجديد من هذا المصدر :

قدمنا أن نصوص التقنين القديم وأحكام القضاء المصرى هى أهم مصدر استقى منه التقنين الجديد ([6]) .

وقد هذب التقنين الجديد نصوص التقنين القديم فى بعض النظريات العامة : كالغلط والسبب والاشتراط لمصلحة الغير والفضالة ، وفى بعض المسائل التفصيلية : كوقف التقادم والبيع فى مرض الموت والغلط فى عقد الصلح .

وقنن التقنين الجديد أحكام القضاء المصرى فى بعض النظريات العامة وفى بعض المسائل التفصيلية كذلك . فمن النظريات العامة التى قننها التعسف فى استعمال الحق ، وتكوين العقد ، والاستغلال ، والحوادث الطارئة ، والالتزام الطبيعى ، والتهديدات المالية ، والصورية ، والملكية الشائعة ، والأعمال القانونية الصادرة فى مرض الموت، وشرط عدم التصرف . ومن المسائل التفصيلية وجوب المطالبة القضائية بالفوائد ، والشرط الجزائى ، وتجديد الحساب الجارى ، وتقادم الاستحقاق فى الوقف ، واستمرار الشركة مع القصر ، وضمان المؤجر للعيوب الخفية ، وحريق العين المؤجرة ، وحقوق الجوار ، ورهن الحصة الشائعة .

وقد قدمنا أن الكثرة الغالبة من نصوص التقنين الجديد قد استقيت من هذا المصدر إذ أن التقنين الجديد قد أبقى على كل ما هو صالح من مبادئ التقنين القديم ، بعد أن هذب صياغة هذه النصوص ، وأضاف إليها ما انتهى إليه اجتهاد القضاء فى تطبيق هذه المبادئ .وقد أبرزت لجنة للقانون المدنى بمجلس الشيوخ هذا المعنى فى تقريرها إذ تقول: (( إن المصادر التى استمد منها المشروع أحكامه هى التقنين الحالى القديم وما صدر فى شأنه من أحكام المحاكم المصرية أولا . وما من نص من نصوص هذا التقنين إلا وأشير إليه فى معرض إيضاح النص المقابل له فى المشروع فى المذكرات الإيضاحية التى قدمتها وزارة العدل ، وما من مبدأ استقر القضاء على الأخذ به فى تفسير هذه النصوص إلا عرضته هذه المذكرات . وهى فى الحالين تنوه بالإبقاء على الحكم الوارد فى النص ، أو بالتعديل الذى آثرت إدخاله على صياغته تمشياً مع أحكام القضاء أو آراء الفقه ، أو بالإضافة التى رأت إثباتها أخذاً بهذه الآراء أو تلك الأحكام . فالمشروع من هذه الناحية قد أبقى على كل ما هو صالح من قواعد التقنين الحالى وإن كان قد هذب صياغتها تهذيباً يتلاءم مع تطور اللغة الاصطلاحية فى مصر وأساليب الصياغة فيها . وهو بهذه المثابة قد احتفظ بالقواعد العامة التى تضمنها هذا التقنين فى الجملة ، وأضاف إليها ما اجتهد القضاء فى إقراره على أساس هذه المبادئ . فلا هو يقطع الصلة بين الماضى والحاضر ، ولا هو يضيع ثروة القضاء من المبادئ والتقاليد ، وإنما هو على النقيض من ذلك يضفى على ما استقر من الأوضاع فى الماضى صبغة جديدة من الإصلاح تبرئه من العيوب التى خالطته ، وتكفل الانتفاع منه على أمثل وجه ([7]) )) .

ثانياً : كيف تفسر النصوص التى استقيت من القضاء المصرى والتقنين المدنى القديم :

ويعنينا أن نبين هنا فى وضوح أن النصوص التى استقيت من هذا المصدر يجب أن تفسر فى ضوء القضاء والفقه اللذين نشآ فى مصر فى ظل التقنين القديم ، وبذلك يتصل الحاضر بالماضى ، ولا تنقطع سلسلة التطور . وسيرى القارئ أننا نشير فى هذا الكتاب إلى القضاء المصرى الذى نبت فى عهد التقنين القديم ، مستندين إليه فى تفسير النصوص الجديدة ، كما لو كان هذا القضاء قد صدر فى عهد التقنين الجديد مفسراً لهذه النصوص . بل ولا نتكلف عناء التنبيه إلى أن القضاء الذى نستشهد به إنما هو قضاء قد صدر تطبيقاً للنصوص القديمة ، فإلى هذا الحد انعدمت المغايرة بين القديم والجديد .

ونستعرض أمثلة تبين كيف تفسر نصوص التقنين الجديد بالرجوع إلى القضاء والفقه القديمين ، ونختار توخياً للإيجاز أمثلة أربعة ، هى النصوص المتعلقة بالاستغلال ، وبالاشتراط لمصلحة الغير ، وبالتهديد المالى ، وبالشرط الجزائي .

1- الاستغلال :

كان القضاء المصرى فى ظل التقنين القديم يقف حائراً أمام ظاهرة اجتماعية كانت فى أشد الحاجة إلى علاج تشريعى . فقد كانت أقضية ترفع أمامه عن الزوج يبلغ سن الشيخوخة ، وينبذ امرأته الأولى ليتزوج من أخرى يقع تحت سلطانها ، فينزل لها أو لأولاده منها عن كل ماله . وكانت أقضية ترفع أمامه عن الولد يضيق عليه أبوه ، ثم يموت الأب عن مال كثير يطلق الإبن يده فيه فيبدده ، والمرابون يستكتبون ضحيتهم العقود الباهظة متوسلين إلى ذلك بمختلف الذرائع والحيل . وكانت أقضية ترفع أمامه عن الزوجة تسلم زمامها إلى هواها ، وتضحى الطائل من المال يبتزه الزوج ليخلى لها السبيل إلى الزواج من غيره . هذه الأقضية وغيرها كانت ترفع أمام القضاء المصرى ، فكان يلجأ فيها إلى حلول يهديه إليها اجتهاده دون عون من النصوص التشريعية . فتارة يلجأ إلى نظرية الإغواء والتسلط على الإرادة ( seduction , capitation) وليس لها سند تشريعى ، وطوراً يذهب إلى نظرية الإكراه وضوابط الإكراه تضيق بهذه الأقضية ، بل لقد ذهب فى حالة من هذه الحالات إلى الأخذ بنظرية الخلع فى الفقه الإسلامى . ومهما يكن من أمر هذا الاضطراب والتقلقل ، فقد كان القضاء المصرى سليم الفطرة ، حسن التقدير ، إذ كان ينظر دائماً بعين الريبة إلى العقود التى تبرم فى مثل هذه الظروف ، فيبطلها أو ينقص منها . ولم يكن يعوزه إلا أن يثبت على أساس قانونى يقوم على نص تشريعى . فأتى التقنين الجديد بهذا النص . وهذا ما تقوله المادة 129 .

(( 1- إذا كانت التزامات أحد المتعاقدين لا تتعادل البتة مع ما حصل عليه هذا المتعاقد من فائدة بموجب العقد أو مع التزامات المتعاقد الآخر ، وتبين أن المتعاقد المغبون لم يبرم العقد إلا لأن المتعاقد الآخر قد استغل فيه طيشاً بيناً أو هوى جامحاً ، جاز للقاضى بناء على طلب المتعاقد المغبون أن يبطل العقد أو أن ينقص التزامات هذا المتعاقد )) .

(( 2- ويجب أن ترفع الدعوى بذلك خلال سنة من تاريخ العقد ، وإلا كانت غير مقبولة )) .

(( 3- ويجوز فى عقود المعاوضة أن يتوفى الطرف الآخر دعوى الإبطال إذا عرض ما يراه القاضى كافياً لرفع الغبن )) .

ولسنا هنا فى مقام شرح هذا النص وما ينطوى عليه من مسائل تفصيلية . وبحسبنا أن نذكر أن أدق مشكلة يثيرها هى تحديد ما يريده المشرع (( بالطيش البين والهوى الجامح )) . ولا نتردد فى القول بأن القاضى عند تحديده للمعنى المقصود من هذه العبارة يجب أن يسترشد بالقضاء السابق ، وأن يستعرض أمامه الأقضية التى رفعت فعلا أمام المحاكم ، فلا يلبث أن يتمثل صورة الشيخ الذى وقع تحت سلطان امرأته الجديدة ، وصورة الشاب الذى أصبح ألعوبة فى أيدى المرابين ، وصورة الزوجة التى غلبها هواها على أن تستبدل زوجاً بزوج . هذه صور من الحياة المصرية يتمثلها القاضى وهو يطبق هذا النص ، فيصبح المعنى أمامه محدداً واضحاً . وهو بعد ليس فى حاجة إلى أن يطوف بخياله بلاداً غير مصرية ينقل عنها نماذج هى أجنبية عنا ولا صلة لنا بها . وهو ليس فى حاجة بوجه خاص إلى أن يرجع إلى التقنين الألمانى أو التقنين السويسرى أو التقنين البولونى وكل هذه تقنينات ورد فيها نص مماثل لنصنا المصرى ، فإن البلاد التى تطبق فيها هذه التقنينات غريبة عنا ، ومجتمعها الأجنبى يغاير مجتمعنا المصرى ، وإذا كان نص تقنينا الجديد يماثل فى الأسلوب والصياغة نصوص هذه التقنينات ، فليس هذا معناه أن القاضى المصرى يلتزم تفسير القضاة الأجانب مع ما يوجد من تفاوت فى الأوساط الاجتماعية وفى العادات والتقاليد . ومن ثم نرى ضرورة التزامنا لقضائنا السابق والسير على المبادئ التى سبق أن قررتها المحاكم المصرية فى وسطنا المصرى .

2- الاشتراط لمصلحة الغير :

ويتميز هذا المثل عن سابقة بأن التقنين القديم كان يشتمل على نص فيه . فكانت المادتان 137/198 من هذا القانون تنصان على أن (( من عقدت على ذمته مشارطة بدون توكيل منه ، فله الخيار بين قبولها أو رفضها )) . فكان النص القديم غامضاً مضطرباً ، يتردد بين الاشتراط لمصلحة الغير والتعهد عن الغير والفضالة . فجاء التقنين الجديد واضحاً دقيقاً ، ونصت المادة 154 منه على ما يأتى :

(( 1- يجوز للشخص أن يتعاقد باسمه على التزامات يشترطها لمصلحة الغير إذا كان له فى تنفيذ هذه الالتزامات مصلحة شخصية ، مادية كانت أو أدبية )) .

(( 2- ويترتب على هذا الاشتراط أن يكسب الغير حقاً مباشراً قبل المتعهد بتنفيذ الاشتراط يستطيع أن يطالبه بوفائه ، ما لم يتفق على خلاف ذلك . ويكون لهذا المتعهد أن يتمسك قبل المنتفع بالدفوع التى تنشأ عن العقد )) .

(( 3- ويجوز كذلك للمشترط أن يطالب بتنفيذ ما اشترط لمصلحة المنتفع ، إلا إذا تبين من العقد أن المنتفع وحده هو الذى يجوز له ذلك )) .

فكيف يفسر القاضى هذا النص ؟ وإذا أثار تطبيقه ، بالرغم من وضوحه ، مسائل تقتضى حلا ، فأين يتلمس القاضى هذا الحل ؟ وإذا عرض مثلا ما يقتضى تحديد الدفوع التى يجوز للمتعهد أن يتمسك بها قبل المنتفع ، أو تحديد المصلحة الشخصية التى تكون للمشترط إذا كانت مصلحة أدبية ، أو تحديد مدى الحق المباشر الذى يكسبه الغير والأساس القانونى الذى يقوم عليه هذا الحق ، فبأى مصدر يسترشد القاضى فى حل هذه المسائل ؟ لا نتردد فى القول بأنه يتعين على القاضى أن يسترشد فى كل ذلك بالقضاء المصرى السابق وبالفقه المصرى السابق ، وسيجد هذا القضاء والفقه غنين زاخرين بالمبادئ القانونية ، والتأصيلات الفقهية ، والحلول التفصيلية ، فى هذا الموضوع الخطير . وسيجد أنه بالرغم من أن نصوص التقنين الجديد تختلف اختلافاً بيناً عن نص التقنين القديم من حيث الدقة والوضوح ، فإن تطبيق النصوص الجديدة لا يترتب عليه غير النتائج ذاتها التى كانت ترتب على تطبيق النص القديم الحائر لمضطرب . وسيجد أن الفرق بين الوضعين القديم والجديد يكاد ينحصر فى أننا كنا فى الوضع القديم تستقى القواعد القانونية الخاصة بالاشتراط لمصلحة الغير من القاء والفقه رأساً وكنا لا نجد غناء فى النص التشريعى ، فكان قانوننا فى هذا الموضوع الخطير يكاد يكون قانونا غير مكتوب . أما الآن ، وفى ظل التقنين الجديد ، سنطبق عين المبادئ التى كنا نطبقها فى الماضى ، ونلتزم الحلول التفصيلية ذاتها ، ولكننا نلتمس هذه المبادئ والحلول ، لا فى قضائنا وفقهنا فحسب ، بل نجد الكثير منها واضحاً فى تشريعنا الجديد ، وقد أصبح قانوننا مكتوباً مقننا فى موضوع من أهم موضوعات القانون المدنى. ولعل هناك فرقاً آخر بين الوضعين القديم والجديد . ففى الوضع القديم ، ونحن نلتمس الحلول فى ثنايا ما تراكم من أحكام القضاء وآراء الفقهاء ، لم تكن هذه الحلول تخلص لنا ثابتة مستقرة ، فالقضاء لم يكن يخلو من تردد ، والفقه لم يكن يسلم من خلاف . أما فى الوضع الجديد ، والحلول الرئيسية قد وردت فيها نصوص تشريعية واضحة قاطعة ، فلا معنى للتردد ولا محل للخلاف ، وقد خلصت لنا الحلول فى أهم المسائل منحمسة بينة ، متسمة بطابع من الثبات والاستقرار .

3- التهديد المالى :

والتهديد المالى من الأمثلة البارزة التى قنن فيها التقنين الجديد أحكام القضاء المصرى . ولم يكن التقنين القديم يشتمل على نص فى هذا الموضوع . فصاغ القضاء المصرى نظرية التهديد المالى على هدى من القضاء الفرنسى ، وسلك فى ذلك سبيلا هو محض اجتهاد لا سند له من التشريع . فاستمد التقنين الجديد من هذا القضاء المصرى النصوص التى أوردها فى هذا الشأن على الوجه الآتى :

نصت المادة 213 على أنه : (( 1- إذا كان تنفيذ الالتزام عيناً غير ممكن أو غير ملائم إلا إذا قام به المدين نفسه ، جاز للدائن أن يحصل على حكم بإلزام المدين بهذا التنفيذ وبدفع غرامة تهديدية إن امتنع عن ذلك . 2- وإذا رأى القاضى أن مقدار الغرامة ليس كافياً لإكراه المدين الممتنع عن التنفيذ ، جاز له أن يزيد فى الغرامة كلما رأى داعياً للزيادة )) .

ونصت المادة 214 على أنه : (( إذا تم التنفيذ العينى أو أصر المدين على رفض التنفيذ ، حدد القاضى مقدار التعويض الذى يلزم به المدين ، مراعياً فى ذلك الضرر الذى أصاب الدائن والعنت الذى بدا من المدين )) .

وهذه النصوص التى استقيت من القضاء المصرى السابق يرجع القاضى بداهة ، فى تفسيرها وفى تحديد مراميها ، إلى هذا القضاء بالذات ، فهو مصدرها المباشر . ولا شأن له بالتقنينات الأجنبية ، ولو اتفقت نصوصها مع هذه النصوص من حيث الأسلوب والصياغة . فإن واضع التقنين الجديد إنما استأنس من هذه التقنينات بالأسلوب التشريعى والصياغة الشكلية . وإذا كانت هذه التقنينات الأجنبية هى المصدر الشكلى لهذه النصوص ، فإن مصدرها الموضوعى هو القضاء المصرى السابق .

بيد أن تقنين القضاء المصرى السابق على الوجه الذى قدمناه لم يكن محض ترديد لأحكام هذا القضاء فقد اشتملت النصوص الجديدة على مزايا نجملها فيما يأتى .

أولا – أقامت هذه النصوص أساساً تشريعياً لنظرية التهديد المالى ، ولم يكن هذا الأساس موجوداً من قبل ([8]) .

ثانيا – حددت النصوص تحديداً تشريعياً حاسماً ، لا يدع مجالا للاضطراب الذى يغلب أن يكون طابع الأحكام القضائية ، النطاق الذى تطبق فيه نظرية التهديد المالى ، والوقت الذى يصفى فيه مركز المدين . أما النطاق فمداه هو حيث يقتضى تنفيذ الالتزام تدخل المدين تدخلا شخصيا يكون التنفيذ بدونه غير ممكن أو غير ملائم . وأما الوقت الذى يصفى فيه مركز المدين فهو الوقت الذى يتخذ فيه موقفاً نهائياً ، إما بوفاء التزامه وإما بالإصرار على عدم الوفاء ([9]) .

ثالثا – وصلت النصوص بنظرية التهديد المالى إلى مداها لتحقيق الغرض المقصود منها ، وذلك من وجهين : الوجه الأول أن النصوص تقضى ، إذا رأى القاضى أن مقدار الغرامة ليس كافياً لإكراه المدين الممتنع عن التنفيذ ، بجوار الزيادة فى الغرامة التهديدية ، وذلك بقصد التغلب على ممانعة المدين . والوجه الثانى أن القاضى عند تحديده مقدار التعويض الذى يلزم به المدين لا يقتصر على مراعاة الضرر الذى أصاب الدائن ، بل يجب أيضاً ، كما جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى ، (( أن يراعى فى هذا التقدير ما يكون من أمر ممانعة المدين تعنتاً باعتبار هذه الممانعة عنصراً أدبياً من عناصر احتساب التعويض ، وفى هذا النطاق يتمثل لب نظام الغرامات المالية ومعقل القوة فيه ([10]) )) .

4- الشرط الجزائى :

والشرط الجزائى مثل رابع فى أن التقنين الجديد استقى نصوصه من القضاء المصرى السابق . وهو يختلف عن الأمثلة السابقة فى أن القضاء الذى فتن هنا ليس بالقضاء الذى كان يستند إلى نص تشريعى غامض مضطرب ، كما هو الأمر فى الاشتراط لمصلحة الغير ، ولا بالقضاء الاجتهادى الذى لا سند له من التشريع ، كما هو الأمر فى نظريتى الاستغلال والتهديد المالى ، وإنما هو قضاء اجتهادى كان يجرى على عكس النص التشريعى ويتعارض معه تعارضاً صريحاً . فقد كانت المادتان 123/181 من القانون القديم تنصان على أنه : (( إذا كان مقدار التضمين فى حالة عدم الوفاء مصرحاً به فى العقد أو فى القانون فلا يجوز الحكم بأقل منه ولا بأكثر )) . والنص صريح كما ترى ، وهو بعد مأخوذ من نصوص التقنين الفرنسي ( م 1152 فرنسي ) ، وهى أيضاً صريحة فى هذا المعنى . ومع ذلك فقد كان كل من القضاءين الوطنى والمختلط يقضى بما يتعارف مع صريح النص ، ولا يحكم بشئ من التعويض المتفق عليه إذا لم يكن هناك ضرر أصاب الدائن . بل ذهب القضاء الوطنى إلى مدى أبعد ، إذ كان يقضى ، حتى مع وجود الضرر ، بتخفيض التعويض المتفق عليه إلى حد يتعادل فيه مع مقدار الضرر .

فعمد التقنين الجديد إلى تقنين القضاء المصرى فى هذا الصدد . ونصت المادة 224 على ما يأتى :

(( 1- لا يكون التعويض الاتفاق مستحقاً إذا أثبت المدين أن الدائن لم يلحقه أى ضرر )) .

(( 2- ويجوز للقاضى أن يخفض هذا التعويض إذا أثبت المدين أن التقدير كان مبالغاً فيه إلى درجة كبيرة ، أو أن الالتزام الأصلى قد نفذ فى جزء منه )) .

(( 3- ويقع باطلا كل اتفاق يخالف أحكام الفقرتين السابقتين )) .

وهذا النص يجب أن يرجع فى تطبيقه وتفسيره إلى القضاء المصرى السابق الذى أسلفنا الإشارة إليه ، شأنه فى ذلك شأن سائر النصوص التى تقنن هذا القضاء .

على أن النص يجمع إلى مزية تقنين القضاء السابق مزايا أخرى نجملها فيما يأتى :

( أولا ) أزال التعارض بين القضاء والنصوص التشريعية . أما التعارض ما بين القضائين الوطنى والمختلط فقد زال بزوال المحاكم المختلطة .

( ثانيا ) أصل أحكام الشرط الجزائى تأصيلا قانونياً صحيحاً ، وبناها على أساس سليم . (( فليس الشرط الجزائى فى جوهره – وهذا ما تقوله المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى ([11]) – إلا مجرد تقدير اتفاقى للتعويض الواجب أداؤه . فلا يعتبر بذاته مصدراً لوجوب هذا التعويض ، بل للوجوب مصدر آخر ، قد يكون التعاقد فى بعض الصور ، وقد يكون العمل غير المشروع فى صور أخرى . فلابد لاستحقاق الجزاء المشروط إذن من اجتماع الشروط الواجب توافرها للحكم بالتعويض ، وهى الخطأ والضرر والإعذار )) . وهذا التأصيل الصحيح هو الذي يفسر جواز عدم الحكم بالشرط الجزائى إذا انتفى الضرر ، وجواز تخفيضه إذا قل الضرر . فما دام الضرر هو شرط واجب للجزاء المتفق عليه ، (( فهو بذاته – كما تقول هنا أيضاً المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى ([12]) – مناط تقدير الجزاء الواجب أداؤه . ويترتب على هذا أن انتفاء الضرر يستتبع سقوط الجزاء المشروط ، ويقع عبء إثبات ذلك على عاتق المدين . وإذا كانت قيمة الضرر أقل من مقدار الجزاء المشروط وجب إنقاص هذا المقدار حتى يكون معادلا لتلك القيمة )) .

( ثالثا ) جعل النص هذه الأحكام من النظام العام ، فلا يجوز الاتفاق على ما يخالفها . وبذلك أمن المدين تعسف الدائن ، وتوقى أن يفرض عليه هذا الاتفاق المخالف الذى لا يلبث أن يصبح شرطاً من الشروط المألوفة عند التعاقد (clauses de style) .

هذه الأمثلة التى سقناها – وهى قليل من كثير – تنهض جميعاً للدلالة على أمور ثلاثة :

أولا – أن الكثرة الغالبة من نصوص التقنين الجديد ، وقد استقيت من القضاء المصرى ومن التقنين القديم ، يرجع القاضى فى تطبيقها وفى تفسيرها مباشرة إلى القضاء المصرى السابق .

ثانيا – أن التقنينات الأجنبية الحديثة ، إذا اتفقت فى بعض نصوصها مع نصوص التقنين الجديد التى استقيت من القضاء المصرى ، فإن هذا لا يعنى الرجوع إلى هذه التقنينات فى تطبيق هذه النصوص وفى تفسيرها . فهى ليست إلا مصادر شكلية لهذه النصوص استؤنس بها فى الصياغة والأسلوب . أما لمصدر الموضوعى فهو القضاء المصرى السابق . وسيرى القارئ أننا فى هذا الكتاب لم نشر إلى التقنينات الأجنبية إلا فى مناسبات قليلة ، ولم تكن الإشارة بقصد الرجوع إلى هذه التقنينات فى تفسير النصوص ، بل لعقد مقارنات بين قانوننا والقوانين الأجنبية فى بعض المواطن التى تجدى فيها المقارنة ، أو لتتبع نظام من النظم القانونية فى تطوراته التاريخية .

ثالثا – أن التقنين الجديد ، فى استقائه من التقنين القديم ومن أحكام القضاء المصرى السابق الكثرة الغالبة من نصوصه ، لم يقتصر على ترديد القديم من النصوص ومن الأحكام القضائية ، بل هو قد هذب النصوص القديمة تهذيباً أبرأها به من عيوبها التى كانت محل الشكوى ، وقنن القضاء المصرى تقنينا حسم به الخلاف فى مواطنه ، وأكسب الأحكام القانونية شيئاً من الثبات والاستقرار ، ويسر للباحث التعرف على هذه الأحكام .

ب- الفقه الإسلامى

أولا – ما الذى استقاه التقنين الجديد من هذا المصدر :

للفقه الإسلامى مكان ملحوظ بين المصادر الثلاثة التى استقى منها تنقيح القانون المدنى . فقد استبقى التقنين الجديد ما اشتمل عليه التقنين القديم من أحكام أخذه عن الفقه الإسلامى . واستحدث أحكاماً جديدة أخذها عن هذه الفقه . وجعل ، بعد ذلك كله ، الفقه الإسلامى مصدراً رسمياً للقانون المدنى ، يأتى بعد النصوص التشريعية والعرف ، ويتقدم مبادئ القانون الطبيعى وقواعد العدالة ([13]) .

1- القديم من الفقه الإسلامى الذى استبقاه التقنين الجديد :

كان التقنين القديم يشتمل على أحكام أخذها عن الفقه الإسلامى ، فاستبقاه التقنين الجديد بعد التقنين الجديد بعد أن هذب النصوص القديمة وصحح ما انطوت عليه من أخطاء .

فيبع المريض مرض الموت ، والأهلية ، والشفعة ، والهبة ، وسداد الدين قبل إيلولة التركة للورثة ، والغبن فى بيع القاصر ، وخيار الرؤية ، وتبعة الهلاك فى البيع ، وغرس الأشجار فى العين المؤجرة ، والأحكام المتعلقة بالعلو والسفل ، وبالحائط المشترك ، ومدة التقادم ، كل هذه موضوعات اشتمل عليها التقنين القديم واستبقاها التقنين الجديد بعد أن هذبها وصحح فيها .

وقد هذب التقنين الجديد بوجه خاص الأحكام المتعلقة بتصرفات المريض مرض الموت وبالهبة وبسداد الدين قبل أيلولة التركة للورثة .

فقد صحح النصوص الخاصة ببيع المريض مرض الموت من الأخطاء التى تسربت إليها فى التقنين القديم إذ جعل العبرة بالقدر المحابى به لا بقيمة المبيع ، ونظر إلى قيمة المبيع وقت الموت لا وقت البيع . ولم يقتصر من تصرفات المريض على البيع ، بل أورد فى النصوص المتعلقة . بالوصية أحكاماً تناولت تصرفات المريض بوجه عام نقلها عن الفقه الإسلامى والقضاء المصرى . فنصت المادة 916 على أن : (( 1- كل عمل قانونى يصدر من شخص فى مرض الموت ويكون مقصوداً به التبرع ، يعتبر مضافا إلى ما بعد الموت ، وتسرى عليه أحكام الوصية أيا كانت التسمية التى تعطى لهذا التصرف . 2- وعلى ورثة من تصرفوا أن يثبتوا أن العمل القانونى قد صدر من مورثهم وهو فى مرض الموت ، ولهم إثبات ذلك بجميع الطرق ، ولا يحتج على الورثة بتاريخ السند إذا لم يكن هذا التاريخ ثابتا .

3- وإذا أثبت الورثة أن التصرف صدر من مورثهم فى مرض الموت ، اعتبر التصرف صادرا على سبيل التبرع ، ما لم يثبت من صدر له التصرف عكس ذلك . كل هذا ما لم توجد أحكام خاصة تخالفه )) . ونصت المادة 917 على أنه : (( إذا تصرف شخص لأحد ورثته ، واحتفظ بأية طريقة كانت بحيازة العين التى تصرف فيها وبحقه فى الانتفاع بها مدى حياته ، اعتبر التصرف مضافا إلى ما بعد الموت ، وتسرى عليه أحكام الوصية ، ما لم يقم دليل يخالف ذلك )) .

كذلك فعل التقنين الجديد فى عقد الهبة . فقد نقل أحكام التقنين القديم المتعلقة بها . ولم يكتف بذلك ، فإن هذه الأحكام كانت مقتضبة ، وكانت مقصورة على الشكل دون الموضوع ، فأورد أحكام الهبة كاملة من حيث شكلها ومن حيث موضوعها . واستمد الأحكام الموضوعية من الفقه الإسلامى .

ولم يقتصر التقنين الجديد على الأخذ بالمبدأ القاضى بألا تركة إلا بعد سداد الدين – وقد كان التقنين القديم يجعل المبدأ مفهوماً فى ثنايا نصوصه – بل عمد إلى هذا المبدأ الخطير فنظمه تنظيما دقيقاً وفصل الإجراءات التى تكفل تطبيقه ، وهى إجراءات عملية كانت الحاجة إليها ملحة ، فسد بذلك فراغاً كبيراً .

2- الجديد من الفقه الإسلامى الذى استحدثه التقنين الجديد :

وقد استحدث التقنين الجديد أحكاماً أخرى استمدها من الفقه الإسلامى .

وبعض هذه الأحكام العامة التى أخذ بها النزعة الموضوعية التى نراها تتخلل كثيراً من نصوصه . وهذه هى نزعة الفقه الإسلامى والقوانين الجرمانية ، آثرها التقنين الجديد على النزعة الذاتية التى هي طابع القوانين اللاتينية ، وجعل الفقه الإسلامى عمدته فى الترجيح .

ومن هذه المبادئ أيضاً نظرية التعسف فى استعمال الحق . لم يأخذها التقنين الجديد عن القوانين الغربية فحسب، بل استمدها كذلك من أحكام الفقه الإسلامى . ولم يقتصر فيها على المعيار الشخصى الذى اقتصرت عليه أكثر القوانين ، بل ضم إليها معياراً موضوعياً فى الفقه الإسلامى يقيد استعمال الحق بالمصالح المشروعة وبتوفى الضرر الجسيم الذى قد يصيب الغير من استعماله .

وكذلك الأمر فى حوالة الدين ، أغفلتها القوانين اللاتينية ، ونظمتها القوانين الجرمانية متفقة فى ذلك مع الفقه الإسلامى . فأخذ بها التقنين الجديد .

ومبدأ الحوادث الطارئة (imprevision) أخذ به بعض التقنينات الحديثة . فرجح التقنين الجديد الأخذ به استناداً إلى نظرية الضرورة ونظرية العذر فى الفقه الإسلامى .

ومن الأحكام التى استحدثها التقنين الجديد مسائل تفصيلية كما قدمنا ، اقتبسها من الفقه الإسلامى . ومن هذه المسائل الأحكام الخاصة بمجلس العقد . وبإيجار الوقف ، وبالحكر ، وبإيجار الأراضى الزراعية ، وبهلاك الزرع فى العين المؤجرة ، وبانقضاء الإيجار بموت المستأجر وفسخه للعذر ، وبوقوع الإبراء من الدين بإرادة الدائن وحده .

3- الفقه الإسلامى أصبح مصدراً رسمياً للقانون المدنى :

وقد نصت المادة الأولى من التقنين الجديد على أنه (( إذا لم يوجد نص تشريعى يمكن تطبيقه حكم القاضى بمقتضى العرف ، فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية ، فإذا لم توجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعى وقواعد العدالة )) .

ويتبين من ذلك أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرسمى الثالث للقانون المدنى المصرى . وهى إذا أتت بعد النصوص التشريعية والعرف ، فإنها تسبق مبادئ القانون الطبيعى وقواعد العدالة . ولا شك فى أن ذلك يزيد كثيراً فى أهمية الشريعة الإسلامية ، ويجعل دراستها دراسة علمية فى ضوء القانون المقارن أمراً ضرورياً لا من الناحية النظرية الفقهية فحسب ، بل كذلك من الناحية العملية التطبيقية . فكل من الفقيه والقاضى أصبح الآن مطالبا أن يستكمل أحكام القانون المدنى ، فيما لم يرد فيه نص ولم يقطع فيه عرف ، بالرجوع إلى أحكام الفقه الإسلامى . ويجب عليه أن يرجع إلى هذه الأحكام قبل أن يرجع إلى مبادئ القانون الطبيعى وقواعد العدالة . بل لعل أحكام الشريعة الإسلامية ، وهى أدق تحديدا وأكثر انضباطا من مبادئ القانون الطبيعى وقواعد العدالة ، هى التى تحل محل هذه المبادئ والقواعد، فتغنينا عنها فى كثير من المواطن ([14]) .

ثانياً – كيف تفسر النصوص استقيت من الشريعة الإسلامية وكيف تستخلص منها الأحكام باعتبارها مصدراً رسمياً .

أما النصوص التى نقلها التقنين الجديد عن الشريعة الإسلامية ، فأصبحت نصوصاً تشريعية وأصبح الفقه الإسلامى مصدراً تاريخياً لها ، فهذه نرجع فى تفسيرها إلى مصدرين رئيسيين :

المصدر الأول – هو القضاء المصرى فيما يوجد له تفسير فى هذا القضاء . والقضاء المصرى غنى بالمبادئ والأحكام فى موضوعات كمرض الموت والشفعة والحكر وإيجار الوقف . فعلى من يفسر نصوص القانون الجديد الواردة فى هذه الموضوعات وأمثالها أن يرجع إلى هذا القضاء فيما استقر عليه من المبادئ .

والمصدر الثانى – هو ما جاء فى كتب الفقه الإسلامى ، وبخاصة فى تفسير ما لا يوجد له تفسير فى القضاء المصرى . والرجوع إلى الفقه الإسلامى فى كتبه المعتمدة واجب أيضا عندما يراد استخلاص الأحكام من الشريعة الإسلامية باعتبارها مصدراً رسميا للقانون المدنى .

وفى رأينا أنه حيث ينبغى الرجوع إلى الفقه الإسلامى فى كتبه المعتمدة ، سواء أكان هذا الفقه هو المصدر الرسمى التى تستمد منه الأحكام أم كان هو المصدر التاريخى الذى تفسر فى ضوئه النصوص التشريعية ، يجب أن يراعى أمران جوهريان :

الأمر الأول – هو عدم التقيد بمذهب معين من مذاهب الفقه الإسلامى . فكل مذاهب الفقه يجوز الرجوع إليها والأخذ منها . ولا محل للوقوف عند أرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة ، بل ولا للتقيد بالمذهب الحنفى فى جملته . ولعلنا نذهب إلى مدى أبعد ، فنقول أنه لا موجب للتقيد بالمذاهب الأربعة المعروفة ، فهناك مذاهب أخرى ، كمذهب الزيدية ومذهب الإمامية ، يمكن الانتفاع بها إلى حد بعيد .

والأمر الثانى – هو أن يراعى فى الأخذ بأحكام الفقه الإسلامى التنسيق ما بين هذه الأحكام والمبادئ العامة التى يقوم عليها التشريع المدنى فى جملته . فلا يجوز الأخذ بحكم فى الفقه الإسلامى يتعارض مع مبدأ من هذه المبادئ ، حتى لا يفقد التقنين المدنى تجانسه وانسجامه . وفيما قدمناه من الرخصة فى الأخذ بمذاهب الفقه جميعا ، دون تمييز بين مذهب ومذهب ، ما يجعل تحقيق هذا التنسيق ميسوراً ، فلا يضل الباحث فى تفصيلات الفقه الإسلامى ، ولا يختار منها إلا ما يتسق مع المبادئ العامة للتشريع المدنى ([15]) .

جـ - التقنينات الحديثة

أولاً – ما الذى استقاه التقنين الجديد من هذا المصدر :

والمصدر الثالث الذى استقى منه التقنين الجديد بعض أحكامه ، والكثير من صيغه وعباراته ، هو التقنين الحديث . فقد حرص واضعو التقنين الجديد على أن ينتفعوا انتفاعا كاملا بكل خطوة خطتها التقنينات الحديثة فى طريق الكمال من ناحية الأسلوب الفنى والصياغة التشريعية .

وقد رتبت هذه التقنينات الحديثة فانتظمتها أقسام ثلاثة : القسم الأول التقنينات اللاتينية قديمها وحديثها . فالقديم يأتى على رأسه التقنين الفرنسى ، ومعه التقنين الإيطالى القديم ، والتقنين الأسبانى ، والتقنين البرتغالى ، والتقنين الهولندى . والحديث يشتمل على التقنين التونسى والمراكشى ، والتقنين اللبنانى ، والمشروع الفرنسى الإيطالى ، والتقنين الإيطالى الجديد . والقسم الثانى التقنينات الجرمانية ، وأهمها التقنين الألمانى ، والتقنين السويسرى ، والتقنين النمساوى . والقسم الثالث تقنينات متخيرة استقت من كلتا المدرستين اللاتينية والجرمانية . وأهم هذه التقنينات التقنين البولونى ، والتقنين البرازيلى ، والتقنين الصينى ، والتقنين اليابانى .

ولكل من هذه التقنينات مزايا وعيوب ([16]) وقد توخى التقنين الجديد أن ينتفع بمزاياها وأن يتوقى عيوبها . وهذا كله فى حدود تقاليدنا القانونية وما استقر عليه قضاؤنا وفقهنا . وأكثر ما رجع إليه التقنين الجديد ، من هذه التقنينات ، خمسة : المشروع الفرنسى الإيطالى ، والتقنين الإيطالى الجديد ، والتقنين السويسرى ، والتقنين الألمانى ، والتقنين البولونى ، فالتقنين الجديد ، وإن كان قد اتخذ التقنينات اللاتينية أساسا له إلا أنه لم يلتزمها وحدها ، بل رجع أيضا إلى التقنينات الجرمانية .

وقد رجع التقنين الجديد إلى هذه التقنينات الحديثة فى بعض النواحى الموضوعية . ولكنه رجع إليها أكثر ما رجع فى نواحى الصياغة والأسلوب .

أما النواحى الموضوعية فأهمها بعض النظم القانونية التى كانت تنقص القانون القديم ، كالمؤسسات وحوالة الدين والإعسار ، وبعض المسائل التفصيلية التى أخذت عن التقنينات الحديثة ، كمسئولية عديم التمييز والمسئولية عن الآلات الميكانيكية والنصوص الخاصة بالحوادث الطارئة وبإدارة الملكية فى الشيوع وبملكية الأسرة وباتحاد ملاك الطبقات . وجارى التقنين الجديد فوق ذلك ، كما قدمنا ، التقنينات الجرمانية والفقه الإسلامى فى إيثار المعايير الموضوعية على المعايير الذاتية فى كثير من المسائل .

وأما نواحى الصياغة والأسلوب فقد أفاد منها التقنين الجديد أكبر الفائدة . ولكن واضعى هذا التقنين حرصوا كل الحرص ، وهم فى سبيل الانتفاع من التقنينات الحديثة فى الصياغة والأسلوب ، على أن يحققوا أمرين : أولهما أن تكون العبارات التى استعيرت من التقنينات الأجنبية لم تقتبس إلا لأنها تؤدى ، فى أمانة ووضوح ، المعانى التى قصدوا إلى نقلها عن القضاء المصرى وعن نصوص التقنين القديم . والأمر الثانى أنهم فيما استعاروه من صيغ وعبارات عن التقنينات الحديثة تجنبوا أن يقع أى تنافر فيما بين أجزاء التقنين ، وحرصوا على أن تنصهر هذه العناصر كلها فى بوتقة واحدة ، وأن ينتظم حباتها جميعاً عقد واحد .

ثانيا – كيف تفسر النصوص التى استقيت من التقنينات الحديثة :

أهم مبدأ ينبغى أن ننبه له الباحث فى تفسير التقنين المدنى الجديد هو أن نصوص هذا التقنين التى استمدت من التقنينات الأجنبية يجب أن تفصل فصلا تاما عن مصادرها الأجنبية ، فلا يرجع إلى هذه المصادر فى تطبيقها وتفسيرها. هذه النصوص التشريعية قد اندمجت فى تقنين قائم بذاته ، فأصبح لها من الكيان الذاتى ما يجعلها مستقلة كل الاستقلال عن المصادر التى أخذت منها . وإنما يجب الرجوع فى تفسير هذه النصوص إلى مصادرها الموضوعية من قضاء قصرى سابق ومن فقه مصرى تقليدى ومن نصوص تشريعية قديمة . هذه هى المصادر الأولى التى يجب أن يرجع إليها فى التفسير . وقد ألححنا فى التنبيه على ذلك عندما تكلمنا فى القضاء المصرى كمصدر أول استقى منه تنقيح التقنين المدنى . أما التقنينات الأجنبية فلا يرجع إليها إلا لأغراض علمية بحتة ، كالموازنة بين الشرائع المختلفة ، وكاستقصاء التطور التاريخى لنظام قانونى معين .

هذا المبدأ الجوهرى الذى نقرره يفرض نفسه على كل باحث فى التقنين الجديد للأسباب الآتية :

1- أن الكثرة الغالبة من النصوص المستمدة من التقنينات الحديثة إن هى فى الواقع من الأمر ، إلا تقنين لما جرى عليه القضاء المصرى ، أو إصلاح لعيوب فى نصوص التقنين القديم . ولم يقصد من الاستئناس بصياغة التقنينات الحديثة ومن محاكاة أسلوبها التشريعى إحداث أى تغيير فى الأحكام التى تضمنتها نصوص التقنين القديم أو جرى بها القضاء المصرى . وقد تكررت الإشارة إلى ذلك ([17]) .

2- أن القليل الباقى من النصوص المستمدة من التقنينات الحديثة ، وهى التى طرقت موضوعات جديدة لم تكن موجودة فى التقنين القديم ، لم تنقل هذه الموضوعات على علاتها من مصادرها الأجنبية . بل إن هذه النصوص قد محصت قبل نقلها إلى التقنين الجديد ، وعدلت بحيث تتسق مع سائر النصوص . فهى أقرب إلى أن تكون جزءاً أصيلا متماسكا من أجزاء هذا التقنين ، تسرى فيه روحه ، وينبسط عليه ما ينتظم سائر الأجزاء من وحدة وانسجام ([18]) .

3- أن أية محاولة يراد بها تفسير النصوص المستمدة من التقنينات الحديثة بالرجوع إلى هذه التقنينات هى محاولة مقضى عليها بالفشل . فإن هذه التقنينات كثيرة متنوعة ، ولكل تقنين نهجه وشرعته ، وله فقهه وقضاؤه ، وكثيراً ما يقع بينها التعارض والتنافر . فكيف يجوز أن نرجع فى تفسير تقنين متماسك الأجزاء ، متسق النواحى ، إلى مصادر متضاربة متناقضة ([19]) ! .

4- أن هذا الذى نقرره من وجوب أن يكون للنصوص التشريعية كيان ذاتى ، لتعيش فى البيئة التى تطبق فيها ، ولتتوثق صلتها بما يحيط بها من ملابسات ، ولتتطور تبعا لما تقتضيه الحاجات المتجددة المتغيرة ، هو ما يقول به سالى وغيره من أقطاب القانون ([20]) ، وهذه هى خير مدرسة نعرفها فى تفسير النصوص التشريعية .

5- أن هذا الذى نقرره هو أيضا ما قصد إليه صراحة واضعو التقنين الجديد . نتبين ذلك فى وضوح تام من الأعمال التحضيرية ، ونراه مذكورا فى مبادئ التفسير التى أدلى بها أمام مجلس الشيوخ ، ونلقاه مرددا فى تقرير اللجنة التشريعية بمجلس النواب ، وفى تقرير لجنة القانون المدنى بمجلس الشيوخ .

أما مبادئ التفسير التى أدلى بها أمام مجلس الشيوخ فقد جرت على الوجه الآتى : (( أولا )) أن الغالبية العظمى من أحكام هذا المشروع مستمدة من أحكام القانون الحالى ومن المبادئ التى أقرها القضاء المصرى طوال السبعين سنة الماضية ، ومطابقة للقواعد القانونية التى جرى عليها القضاء والفقه فى مصر . وهذا هو المصدر الذى يرجع إليه عند تفسير هذا القانون . وأما الصادر الأجنبية فليست إلا مصادر استئناس للصياغة وحدها . ( ثانيا ) أن الأحكام التى اشتقت أصلا من الشريعة الإسلامية يرجع فى تفسيرها إلى أحكام هذه الشريعة ، مع ملاحظة ما جاء فى المادة الأولى من المشروع من اعتبار الشريعة الإسلامية مصدراً رسميا من مصادر القانون ومن أن للقاضى أن يرجع إلى أحكام الشريعة الإسلامية كلما كان هناك محل لذلك . ( ثالثا ) أما الأحكام القليلة التى اشتقت من تقنينات أجنبية فى موضوعات جديدة مستقلة ( المؤسسات ، حوالة الدين ، ملكية الأسرة ، اتحاد الملاك ، الإعسار المدنى ، تصفية التركات ) فقد روعى فى وضعها أن تكون متمشية مع البيئة المصرية ، متفقة مع العرف والعادات ، متناسقة مع سائر أحكام المشروع . وبذلك تكون قد انعزلت من مصادرها وأصبح لها كيان ذاتى قوامه تساندها مع غيرها من نصوص ، ويرجع فى تفسيرها إلى النصوص ذاتها وما درج عليه القضاء فى مثل هذه الأحوال ([21]) )) .

وأما ما جاء فى تقرير اللجنة التشريعية بمجلس النواب فى هذا الصدد ، فهذا هو : (( ولا يسع اللجنة ، وهى تختتم تقريرها ، إلا أن تسجل الكلمة القيمة التى أدلى بها مندوب الحكومة بعد الانتهاء من بحث المشروع وهى : أن النصوص التشريعية الواردة فى هذا المشروع لها من الكيان الذاتى ما يجعلها مستقلة كل الاستقلال عن المصادر التى أخذت منها . ولم يكن الغرض من الرجوع إلى التقنينات الحديثة أن يتصل المشروع بهذه التقنينات المختلفة اتصال تبعية فى التفسير والتطبيق والتطور ، فإن هذا حتى لو كان ممكنا ، لا يكون مرغوبا فيه . فمن المقطوع به أن كل نص تشريعى ينبغى أن يعيش فى البيئة التى يطبق فيها ، ويحيا حياة قومية توثق صلته بما يحيط به من ملابسات ، وما يخضع له من مقتضيات ، فينفصل انفصالا تاما عن المصدر التاريخى الذى أخذ منه ، أيا كان هذا المصدر . وقد حان الوقت الذى يكون لمصر فيه قضاء ذاتى وفقه مستقل . ولكل من القضاء والفقه ، بل على كل منهما ، عند تطبيق النص أو تفسيره ، أن يعتبر هذا النص قائما بذاته ، منفصلا عن مصدره ، فيطبقه أو يفسره تبعا لما تقتضيه المصلحة ، ولما يتسع له التفسير من حلول تفى بحاجات البلد ، وتساير مقتضيات العدالة . وبذلك تتطور هذه النصوص فى صميم الحياة القومية ، وتثبت ذاتيتها ، ويتأكد استقلالها ، ويتحقق ما قصد إليه واضعو المشروع من أن يكون لمصر قانون قومى يستند إلى قضاء وفقه لهما من الطابع الذاتى ما يجعل أثرهما ملحوظا فى التطور العالمى للقانون )) .

(( وترحب اللجنة بهذه الفرصة الطيبة التى ستتاح للقضاء والفقه فى مصر ، عند تطبيق هذه النصوص وتفسيرها ، فى أن يجد المكان الفسيح للاجتهاد والاستنباط بعد أن انفك عنهما غل القيد بمتابعة قانون واحد معين فى نصوصه التشريعية وفى قضائه وفقهه ، بل بعد أن أصبحا فى حل ، وقد انفصلت النصوص عن مصادرها ، من التقيد بمتابعة أى قانون معين ، فخرجا بذلك من باب التقليد الضيق إلى ميدان الاجتهاد الفسيح ([22]) .

وهذا ما جاء أخيراً فى تقرير لجنة القانون المدنى بمجلس الشيوخ : (( أما ما يقال عن صعوبة التفسير وإلزام القاضى بالرجوع إلى فقه دول متعددة للوقوف على مفهوم نص معين ، فترى اللجنة أن النصوص متى أدمجت فى التقنين انعزلت عن مصادر الاستئناس ، وأصبح لها كيان ذاتى قوامه تساندها مع غيرها من نصوص هذا التقنين ، وأثرها فى البيئة التى تعيش فيها ، وانفعالها بظروف هذه البيئة . فما نقل من الصيغ أو النصوص عن تشريعات أو تقنينات أجنبية وصل بنصوص أخرى فى المشروع تحددت دلالتها من قبل فى التقنين الحالى وفى الفقه المصرى وأحكام القضاء فى مصر ، وهذا التآلف هو أول بل وأهم عنصر من عناصر التفسير ([23]) )) .



([1]) بيد أنه إذا عز أن يجمع تقنين واحد المعاملات والأسرة معاً ، فلا أقل من أن يجتمع شتات قانون الأسرة فى تقنين موحد يقوم إلى جانب التقنين المدنى الجديد . والخطب يسير فى هذا الشأن ، فقد وضع تقنين للميراث ، وآخر للوصية ، وثالث للوقف ، ورابع للمحاكم الحسبية              ( الصغير والمحجور ) ، ولم يبق إلا تقنين خامس للزواج والطلاق والنسب فتتجمع بذلك أجزاء قانون الأسرة ، ويضمها كتاب واحد . والأمل معقود فى أن يكون ذلك قريباً .

([2]) أنظر مع ذلك المشروع الذى يعد لتنقيح التقنين الفرنسى وما دار من مناقشات طويلة حول هذا الموضوع ( المجلد الأول من الأعمال التحضيرية للجنة تنقيح التقنين المدنى سنة 1945 سنة 1946 ص 97 وما بعدها ) .

([3]) وسنرى أنه بعد أن حذف نص من المشروع التمهيدى يجعل الإرادة المنفردة مصدراً عاماً من مصادر الالتزام ، واقتصر المشروع النهائى على حالات معينة ينشأ الالتزام فيها من الإرادة المنفردة ، لم تعد الالتزامات الناشئة من الإرادة المنفردة فى هذه الحالات المعينة إلا التزامات تنشأ بنص فى القانون . وسنرتب على ذلك أن الإرادة المنفردة فى التقنين الجديد ليست مصدراً مستقلاً من مصادر الالتزام .

([4]) ولولا رغبة مشروعة فى عدم الابتعاد كثيراً عن التقسيم التقليدى لصح أن يأتى باب إثبات الالتزام عقب الباب الأول الذى تناول مصادر الالتزام . فإن الإثبات إنما يرد على مصدر الالتزام لا على الالتزام ذاته ، ويجب أن يسبق أثر الالتزام وانتقاله وانقضائه ، ولجاز أن يبدأ الكلام فى إثبات الالتزام بالإقرار فاليمين فالكتابة – وهى أقوى طرق الإثبات – لينتهى بأضعف الطرق وهى البينة والقرائن .

([5]) ولولا أن الترتيب ذو صبغة عملية لوجب تقديم العقد وهو عمل قانونى ، على الاستيلاء وهى واقعة مادية .

([6]) جاء فى تقرير لجنة القانون المدنى بمجلس الشيوخ فى هذا الصدد ما يأتى : (( وقد خرجت اللجنة من هذه الدراسة بنتيجتين جوهريتن من الخير إبرازهما قبل الاستطراد فى بيان ما انتهى إليه البحث : ( الأولى ) أن المشروع لم يخرج على التقاليد التشريعية التى استقرت فى البلاد منذ إدخال نظام التقنينات عند إنشاء المحاكم المختلطة فى سنة 1876 والمحاكم الوطنية فى سنة 1883 . فهو من هذه الناحية لا يقطع الصلة بين الحاضر والماضى ، ولكنه يتخذ الصالح من أوضاع هذا الماضى أساساً له ويستحدث من الأحكام ما اقتضته ضرورات التطور ، ويعتمد فى ذلك على الثروة التى أسفر عنها اجتهاد القضاء المصرى بوجه خاص ، ويجارى الفقه الإسلامى فى نواح مختلفة ، ويستمد بالقدر الذى يتلاءم مع تلك الأوضاع نصوصاً من أحدث التشريعات الأجنبية . وبهذه المثابة يعتبر المشروع صورة صادقة لتطور = = الظروف الاجتماعية وللتقدم العلمى الذى بلغه علم القانون فى مصر فى مدى نصف قرن من الزمان . ( أما النتيجة الثانية ) – وتترتب على النتيجة الأولى – فهى أن تطبيق الأحكام التى استحدثها المشروع ليس من شأنه أن يفضى إلى قلب أوضاع التعامل التى ألفها الناس ، أو أن يخل باستقرار المعاملات . وإنما هو على النقيض من ذلك يسعف هذه الأوضاع بإصلاح طال ترقبه . والواقع أن الحديث من أحكام هذا المشروع قد أحكم التآلف بينه وبين القديم من القواعد الكلية على نحو يجعل انتقال المتعاملين من سلطان القانون القديم إلى سلطان القانون الجديد أمراً يقتضيه التطور الطبيعى للظروف . ثم إن المشروع فى تقنين ما استقر عليه القضاء من مبادئ وفى تدارك أوجه النقص فى التقنين الحالى قد توخى أن يجعل النهج واضحاً أمام المتعاملين ليكفل استقرار المعاملات على أسس صقلتها التجارب ، فرسخت فى النفوس قبل أن تتخذ مكانها فى النصوص المعروضة )) ( مجموعة الأعمال التحضيرية 1 ، ص 119 – 120 ) .

([7]) مجموعة الأعمال التحضيرية ، 1 ، ص 128 – 129 .

([8]) وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : (( لعل أهم ما عيب على نظام الغرامات التهديدية فى وضعه الراهن أنه لا يستند إلى نص من نصوص التشريع ، بل هو وليد اجتهاد القضاء . وقد قصد المشروع إلى تدارك هذا العيب ، فأورد هذه              ( المواد الثلاث ) باعتبارها سنداً تشريعياً يركن إليه عند التطبيق ، وهى بعد ليست إلا تقنيناً لما جرى عليه القضاء من قبل )) ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 539 ) .

([9]) وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : (( بيد أن الحكم الصادر بالغرامة التهديدية حكم موقوف ، تنتفى علة قيامه متى اتخذ المدين موقفاً نهائياً منه ، إما بوفائه بالالتزام ، وإما بإصراره على التخلف . فإذا استبان هذا الموقف وجب على القاضى أن يعيد النظر فى حكمه ليفصل فى موضوع الخصومة . فإن كان المدين قد أوفى بالتزامه حط عنه الغرامة إزاء استجابة لما أمر به ، وألزمه بتعويض عن التأخر ، لا أكثر . وإن أصر المدين على عناده نهائيا ، قدر التعويض الواجب عن الضرر الناشئ عن عدم          الوفاء )) ( مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 540 ) .

([10]) مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 540 .

([11]) مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 573 .

([12]) مجموعة الأعمال التحضيرية 2 ص 574 .

([13]) وهذا ما كتبته لجنة القانون المدنى بمجلس الشيوخ فى تقريرها فى هذا الصدد : (( وتبينت اللجنة كذلك أن المشروع اعتمد على الشريعة الإسلامية إلى حد بعيد بين مصادره ، فجعلها مصدراً عاماً يرجع إليه القاضى إذا لم يجد حكماً فى التشريع أو العرف ، وجعلها مصدراً خاصاً لطائفة لا يستهان بها من أحكامه . ولا ينكر ما للفقه الإسلامى من مكانة رفيعة بين مذاهب الفقه العالمى ، فكيف وقد كان ولا يزال معتبراً القانون العام فى كثير من المسائل فى مصر . وفى نقوية الصلة بين المشروع وأحكام الشريعة إبقاء على تراث روحى حرى بأن يصان وأن ينتفع به . واللجنة تسجل ما صادفت فى المشروع من أحكام أخذت عن الشريعة الإسلامية كالأحكام الخاصة بنظرية التعسف فى استعمال الحق وحوالة الدين ومبدأ الحوادث غير المتوقعة . وهذه الأحكام جميعاً تتضمن من القواعد ما يعتبر شاهداً من شواهد التقدم فى التقنينات الغربية ، وإن كان فقهاء الشريعة قد فطنوا إلى ما حدث من أحكام وأحكموا سبكه وتطبيقه على ما عرض فى عصورهم من أقضية لقرون خلت قبل أن يخطر شئ من ذلك ببال فقهاء الغرب أو من تولوا أمر التشريع فيه . ونقل المشروع أيضاً عن الشريعة الإسلامية طائفة من الأحكام التفصيلية يكفى أن يشار فى صددها إلى ما تعلق بمجلس العقد وإيجار الوقف والحكر وإيجار الأراضى الزراعية وهلاك الزرع فى العين المؤجرة وانقضاء الإيجار بموت المستأجر وفسخه بالعذر . هذا إلى مسائل أخرى كثيرة سبق أن اقتبس التقنين الحالى أحكامها من الشريعة الإسلامية ، وأبقاها المشروع ، كبيع المريض مرض الموت والغبن وتبعة الهلاك فى البيع وغرس الأشجار فى العين المؤجرة والعلو والسفل والحائط المشترك . أما الأهلية والهبة والشفعة والمبدأ الخاص بألا تركة إلا بعد سداد الدين فقد استمد المشروع أحكامها من الشريعة الإسلامية ، وهى أحكام لها أهميتها فى الحياة العملية . وفى حدود هذا المصدر الثانى كان مسلك المشروع قويماً ارتاحت إليه اللجنة وآنست فيه اتجاهاً إلى تقدير ما للفقه الإسلامى من مزايا أدركها علماء الغرب منذ زمن بعيد ، وبقى على دول الشرق أن تحلها المحل الخليق بها وأن تعبر عملياً عن اعتزازها بها وحرصها على استدامتها . ولعل من نافلة القول أن يشار إلى أن هذا المسلك أمعن فى رعاية ما للماضى من حرمة ، وأبلغ فى قضاء حق القدماء الذين تعهدوا الفقه الإسلامى باجتهادهم ، وأسبغوا على أحكامه من المرونة ما جعلها تتسع لما درج الناس عليه فى معاملاتهم . ولا ترى اللجنة فى الرجوع إلى الشريعة الإسلامية على هذا الوجه أي مساس باستقرار المعاملات ، بل ترى فيه تمكيناً لأسباب الاستقرار من طريق تقصى التقاليد الصالحة التى ألفها المتعاملون فى البلاد منذ مئات السنين )) . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 1 ص 131 – ص 132 ) .

([14]) هذا هو الحد الذى وصل إليه التقنين الجديد فى الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية ، عدا المسائل الأخرى التى أخذها بالذات من الفقه الإسلامى ، وهى المسائل التى تقدم ذكرها .
    أما جعل الشريعة الإسلامية هى الأساس الأول الذى يبنى عليه تشريعنا المدنى ، فلا يزال أمنية من أعز الأمانى التى تختلج بها الصدور ، وتنطوى عليها الجوانح . ولكن قبل أن تصبح هذه الأمنية حقيقة واقعة ، ينبغى أن تقوم نهضة علمية قوية لدراسة الشريعة الإسلامية فى ضوء القانون المقارن . ونرجو أن يكون من وراء جعل الفقه الإسلامى مصدراً رسمياً للقانون الجديد ما يعاون على قيام هذه النهضة .
    وقد حاول بعض رجال القانون أن يستبقوا الحوادث ، فدرسوا الشريعة الإسلامية دراسة سطحية فجة لا غناء فيها ، وقدموا نموذجا يشتمل على بعض النصوص فى نظرية العقد ، زعموا أنها أحكام الشريعة الإسلامية ، وهى ليست من الشريعة الإسلامية فى شيء . ودار فى شأن هذه النصوص حوار عنيف فى لجنة القانون المدنى بمجلس الشيوخ .
    ( أنظر فى تفصيل هذه المسألة مجموعة الأعمال التحضيرية 1 ص 85 – 89 ) .

([15]) وفى محاولة الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية عن دراسة سطحية لا تعمق فيها ، وهى المحاولة التى أشرنا إليها فيما تقدم ، ظن واضعو النموذج الذى سبق ذكره أن نظرية عيوب الرضاء ونظرية البطلان ونظرية السبب ونظرية الفسخ هى نظريات يمكن الأخذ بها كما هى مبسوطة فى القوانين الحديثة مع نسبتها إلى مذاهب فى الفقه الإسلامى تتعارض معها كل التعارض . وبديهى أن الشريعة الإسلامية لا تخدم عن طريق أن ينسب إليها ما ليس منها ، وإنما تخدم عن طريق دراستها دراسة علمية صحيحة ، وأول شرط لهذه الدراسة هى الأمانة العلمية . ولا يعيب الشريعة الإسلامية أنها لا تطاوع فى بعض نظرياتها ما وصل إليه القانون الحديث من نظريات معروفة ، ولكن يعيبها أن تشوه مبادئها وأن تمسخ أحكامها .

([16]) فالمشروع الفرنسى الإيطالى أكسب التقنينات اللاتينية العتيقة جدة لم تكن لها ، ونفخ فيها روح العصر ، وجمع بين البساطة والوضوح ، مع شئ كثير من الدقة والتجديد . على أن المشروع يكاد يكون محافظاً إذا قيس إلى التقنينات العالمية الأخرى . والتقنين الألمانى يعد أضخم تقنين صدر فى العصر الحديث ، وهو خلاصة النظريات العلمية الألمانية مدى قرن كامل ، ويبز من الناحية الفقهية أى تقنين آخر ، فقد اتبع طريقة تعد من أدق الطرق العلمية وأقربها إلى المنطق القانونى . ولكن هذا كان عائقاً له عن الانتشار ، فإن تعقيده الفنى ودقته العلمية أقصياه بعض الشئ عن منحى الحياة العملية ، وجعلاه مغلق التركيب ، عسر الفهم . والتقنين النمساوى يرجع عهده إلى أوائل القرن التاسع عشر ، فقد ظهر فى سنة 1812 عقب التقنين الفرنسى ، ولكنه لم يتح له من النجاح ما أتيح لهذا التقنين ، لذلك بقى محدود الانتشار فى أوروبا حتى غمره التقنين الألمانى ، وقد قام النمساويون بتنقيح تقنينهم فى أول سنى الحرب العالمية الأولى ، وظهر التنقيح فى سنة 1916، فأعاد لهذا التقنين العتيق شيئاً من الجدة والمسايرة لروح العصر ، أما التقنين السويسرى – تقنين الالتزامات والتقنين المدنى – فقد كان المنتظر أن يكون ، وهو من عمل الأساتذة ( فيك وهوبر ) ، عملا فقهيا ، فإذا به ذو صفة عملية بارزة . ويجمع التقنين السويسرى إلى الوضوح والبساطة الدقة والتعمق وإن كان خداعاً فى بعض المواطن فيما يتسم به من وضوح ودقة ( أنظر فى كل ذلك المحاضرة التى ألقيناها فى الجمعية الجغرافية الملكية وفتحنا بها باب الاستفتاء فى التقنين الجديد : مجلة القانون والاقتصاد 12 ص 555 – ص 559 ) .

([17]) وقد جاء فى تقرير لجنة القانون المدنى بمجلس الشيوخ ما يقرب من هذا المعنى فيما يأتى : (( والكثرة الغالبة من النصوص المعروضة قد ظفرت من وراء الاستئناس بصيغ التقنينات الأجنبية بدقة فى الأداء ، وإيجاز فى التعبير ، جعلا للمشروع قيمة فنية ذاتية ، وطابعاً حسناً . وقد روجعت هذه النصوص فى اللجنة التى أنشأتها وزارة العدل بعد جمع الآراء من طريق الاستفتاء ، وروجعت كذلك فى لجان مجلسى البرلمان ، وأدخل عليها من التعديل اللفظى والموضوعى ما يجعلها تعبر تعبيراً واضحاً عن المعانى التى قصدت إلى أدائها . ولا محل لأن يعاب على المشروع انتفاعه من التجربة التى انتهت إليها التقنينات الأجنبية فى حدود الصياغة ، ولا سيما بعد أن روجعت الصياغة على النحو المتقدم ذكره ، وانفصلت بذلك عن كل مصدر من مصادر الاستئناس ، وأصبحت معبرة فى ذاتها عن المعانى التى استظهرها كل من ساهم فى وضع المشروع أو مراجعته أو إقراره )) ( مجموعة الأعمال التحضيرية 1 ص 133 ) .

([18]) وهذا أيضاً ما جاء فى تقرير لجنة القانون المدنى بمجلس الشيوخ فى هذا المعنى : (( أما النصوص التى اقتبست أحكامها من تقنينات أجنبية من حيث الموضوع فهى قليلة إذا قيست بسائر نصوص المشروع . وهى تعالج أوضاعاً مستقلة أو مسائل تفصيلية تصلح لأن يفصل فيها برأى أو آخر فى أي تقنين من التقنينات ، دون أن يخل ذلك بتناسق قواعده العامة أو تماسكها . ولم يتوخ المشروع فى ذلك مجرد النقل أو التقليد دون نظر إلى ظروف البيئة المصرية ، ولكنه جعل من ظروف هذه البيئة رائده ، فاسترشد بها فى المفاضلة بين الحكم الوارد فى تقنين وبين غيره مما فى تقنينات أخرى . وأدخل فى كثير من الحالات على ما اقتبس من أحكام تعديلات جوهرية نزولا على ما تقتضى تلك الظروف . وهو فى هذا لم يشذ عن الأسلوب المتبع فى أكثر الدول عند التقنين فى الوقت الحار ، والمتبع فى مصر فعلا بالنسبة إلى كثير من التشريعات . وقد أدمجت الأحكام التى اقتبست على هذا الوجه فى المشروع ، وروعى فى هذا الإدماج إحكام التآلف بينها وبين سائر أجزائه . ثم روجعت فى مختلف اللجان على ما تقدم ذكره من قبل ، فاستوى من ذلك كله تقنين متواصل الأجزاء متجانس الأحكام )). ( مجموعة الأعمال التحضيرية 1 ص 133 ) .

([19]) وفى رأينا أنه إذا جاز الرجوع  فى تفسير التقنين الجديد إلى مصدر أجنبى ، فلا يكون هذا المصدر إلا الفقه الفرنسى باعتبار أن الفقه المصرى لا يزال يستمد منه ، ولا يفتأ يتابع خطواته فى كثير من المسائل . وسيرى القارئ أننا فى هذا الكتاب نشير فى مناسبات كثيرة لآراء الفقهاء الفرنسيين إلى جانب آراء الفقه المصرى . أما الرجوع إلى غير الفقه المصرى والفقه الفرنسى فلا يكون إلا لأغراض علمية بحتة كما أسلفناه القول . ولا تزال نترقب اليوم الذى يبلغ فيه الفقه المصرى أشده ، فيصبح غنياً عن غيره بما يتوافر له من أسباب ذاتية . وغنى عن البيان أن الرجوع إلى الفقه الإسلامى متعين فيما يجب الرجوع فيه إلى هذا الفقه ، على النحو الذى سبق بيانه .

([20]) أنظر المقدمة التى وضعها الأستاذ سالى يقدم بها كتاب الأستاذ جنى المعروف فى (( طرق تفسير القانون الخاص )) .

([21]) وقد أقرت الحكومة هذا البيان . وهو بيان عهدت لجنة القانون المدنى إلى رئيسها حضرة الشيخ المحترم محمد محمد الوكيل ( باشا ) فى أن يدلى به أمام مجلس الشيوخ ، وقد أدلى به فعلا أمام المجلس ، وقدم له فى خطابه بالعبارات الآتية : (( ولا يحسبن أحد أن تعدد المصادر على الوجه المتقدم أفقد المشروع ما كان ينبغى أن يتوافر له من أسباب التماسك والتناسق . فالواقع أن هذه المصادر جميعاً تتقارب فى مشاربها . فقواعد التقنين الحالى وما يكملها من اجتهاد القضاء عاشا جنباً إلى جنب مع الشريعة الإسلامية والقواعد المستمدة منها . ثم إن القواعد المستمدة من القوانين الحديثة تمثل التقدم العلمى الذى تحقق على أساس تطور القديم . وهل خطت مصر خطوة واسعة فى تشريعاتها إلا على أساس نخير الصالح من مختلف المصادر بل ومن تشريعات متباينة . والواقع أن العبرة فى التقنين بتماسك الحلول وتواصلها ، فقد يتم هذا التواصل وذاك التماسك رغم تعدد المصادر إذا بذلت العناية الواجبة فى هذا الشأن ، وقد ينتفيان رغم وحدة المصدر إذا قصرت هذه العناية عن تحقيق الغرض . والمشروع المعروض قد وفق فى التأليف بين القواعد التى استقاها من المصادر التى تقدمت الإشارة إليها ، وقد يسر له ذلك اعتماده اعتماداً أولياً ورئيسيا على التقنين الحالى وقضاء المحاكم المصرية وأحكام الشريعة الإسلامية كما أسلفنا . ومن الواجب أن أشير فوق هذا كله إلى أن تنقيح القانون المدنى فى أية دولة من الدول فى الوقت الحاضر لا يمكن أن يغفل تقدم التقنينات فى الدول الأخرى ، أو يهمل الاسترشاد بها والاقتباس منها . وأبلغ شاهد على ذلك ما وقع فى التقنين المدنى السويسرى واللبنانى والبولونى والإيطالى والمشروع الفرنسى الجديد . وقد أثار بعض حضرات رجال القانون مسألة مصادر المشروع ، وقدموا فى هذا الشأن بعض ملاحظات تعرض لتفهم أحكام المشروع وتفسيرها وتطبيقها . وكانت اللجنة قد أوفت هذه المسألة حقها من البحث فى تقريرها ، وقمت من ناحيتى بتوضيح الأمر فى كلمتى هذه ، إلا أنه رغبة فى زيادة الإيضاح ، وتأكيداً للمعنى الذى ذهبت إليه اللجنة ، عهدت إلى أن أدلى برأيها فى هذا الموضوع الهام بالبيان التالى : ( أولا ) أن الغالبية العظمى من أحكام هذا المشروع ... ألخ )) . ( مجموعة الأعمال التحضيرية 1 ص 116 و 117 وص 161 و 162 ) .

([22]) مجموعة الأعمال التحضيرية 1 ص 32 .


([23]) مجموعة الأعمال التحضيرية 1 ص 136 – ص 137 .

   هذا وقد ساور بعض رجال القانون خشية من أن التقنين الجديد قد تعوزه وحدة منسجمة يرجع إليها فى تفسير ما غمص من نصوصه وفى تكميل ما نقص من أحكامه ( أنظر مارافان فى مجلة مصر العصرية سنة 1949 عدد يناير وفبراير ص 42 – الدكتور شفيق شحاته فى جريدة المحاكم المختلطة عدد 3546 بتاريخ 4-6 ديسمبر سنة 1945 ) . وهذه الخشية لا مبرر لها . فإن المصدر الأساسى للتقنين الجديد لا يزال هو النظام اللاتينى ، ممثلا فى نصوص التقنين القديم وفى أحكام القضاء المصرى ، وممثلا كذلك فى التقنينات اللاتينية القديم منها والحديث ، ومقترناً بأحكام من الفقه الإسلامى تعود التشريع المدنى المصرى أن يراها متآلفة من النظام اللاتينى طوال السنين السابقات . ولم يدخل النظام الجرمانى فى التقنين الجديد إلا بقدر ، وفى الحدود اللازمة لإصلاح عيوب النظام اللاتينى .

    وسنعود إلى هذا الموضوع بتفصيل أوفى .

 


تذكار الفخار :
الأستاذ الدكتور/حسن علي الذنون 

"من لا يخلص لوطنه لا يخلص في عمله، ومن لا يخلص في عمله لا يخلص لوطنه ، فالعلاقة بين العمل والوطن ديناميكية أساسية وتنطوي على منظومة من القيم السامية"

الأستاذ الدكتور/حسن علي الذنون
- فقيه القانون-يعدُّ من الرواد -العراق .مواليد:الموصل سنة 1911
- -توفاه الله في السابع من يناير 2014 -كان من المعاصرين -وبمثابة تلميذ- للسنهوري وقد أخذ منه ورجع إليه السنهوري في الكثير عند كتابة موسوعته :الوسيط في شرح القانون المدني للمقارنة بين القوانين العربية

مواضيع ومجالات مقترحة

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"

أهلا وسهلا بك زائرنا المحترم
هذا العمل هو عمل متنامي يتطور باستمرار لاتحرمنا من ثواب مشاركتك أو متابعتك
بقدر ما تستطيع انشر وشارك المقالات مع معارفك واصدقاءك
فهذا ما يجعلنا نستشعر الاهتمام والتشجيع
فأعط لغيرك إمكانية الاستفادة والتعلم والبحث


ديوان صوت القوانين موقع صوت القوانين

×