واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله

شروح السنهوري -مرحبا بكم - نرجو لكم الاستفادة والنفع من الوسيط في شرح القانون المدني

آخر الشروح

الثلاثاء، 4 أغسطس 2015

الرئيسية الهبة عقد ما بين الأحياء

الهبة عقد ما بين الأحياء

الهبة أولاً عقد لا بد فيه من إيجاب وقبول متطابقين
2 - الهبة عقد ما بين الأحياء :
 فالهبة أولاً عقد لا بد فيه من إيجاب وقبول متطابقين ( [1] ) ، ولا تنعقد الهبة بإرادة الواهب المنفردة كما  سنرى . 
وهذا هو الذي يميز الهبة عن الوصية ، إذ الوصية تنعقد ايرادة الموصى المنفردة ، ويجوز لهذا أن فيها ما دام حيا ، فلا تنتج الوصية أثرها إلا عند موته .أما رضاء الموصى له بالوصية بعد موت الموصى فليس قبولا لإيجاب من الموصى ، بل هو تثبيت لحق الموصى له في الموصى به حتى لا يكسب حقاً بغير رضائه على النحو الذي رأيناه في قبول المنتفع للاشتراط لمصلحته في الاشتراط لمصلحة الغير . 



ويقطع في ذلك أن الموصى له يكسب الموصى به لا من وقت " قبوله " للوصية بل من وقت موت الموصى ، ولو كانت الوصية عقداً تتم ببقول الموصى له لكسب هذا ملكية الموصى به من وقت قبوله لا من وقت موت الموصى . فالهبة إذن تختلف عنا لوصية في إنها عقد لا يجوز الرجوع فيه إلا في أحوال معينة ، وفي أن أثرها لا يتراخى حتما إلى موت الواهب . ووصف الهبة في التعريف الذي أورده التقنين المدني بأنها عقد يخرج الوصية قطعاً عن أن تكون هبة ، وليس من الضروريان يضاف إلى التعريف أن تكون الهبة غير مضافة الموت الواهب ( [2] ) .

وما دمنا نقول إن الهبة عقد فهي عقد ما بين الأحياء ، ولا حاجة إلى النص على ذلك صراحة كما قدمنا ، فإن التقنين المدني المصري لا يعرف العقد إلا بين الأحياء . ومن ثم تخرج الهبة لما بعد الموت ، وهي الهبة التي يعرفها القانون الروماني ولا يعرفها القانون المصري ( [3] ) . فلا يجوز  في القانون المصري أن يعقد الواهب هبة باتة ويرجئ في الوقت ذاته نقل  ملكية الموهوب إلى ما بعد موته ( [4] ) ، ولا يستطيع أن يفعل ذلك إلا عن طريق الوصية وبإرادته المنفردة التي يجوز له الرجوع فيها كما سبق القول . وإلى هذا تشير المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي إذ تقول : " ويلاحظ أن الهبة عقد يتم في حال الحياة ، أما الهبة لما بعد الموت ، وتختلف عن الوصية في أنه لا يجوز الرجوع فيها إلا حيث يجوز الرجوع في الهبة ، فباطلة ، ويكون الموهوب لورثة الواهب : م 504 / 2 من قانون الأحوال الشخصية " ( [5] ) .






( [1] )  والهبة يتحقق وجودها الشرعي بمجرد الإيجاب عند أبي حنيفةوصاحبيه ، وقبول الموهوب له عندهم شرط لثبوت الملك له لأن أحداً لا يملك إدخال شيء في ملك غيره بدون رضاه . أما عند زفر فلا يتحقق للهبة وجود شرعي إلا بإيجاب وقبول متطابقين . جاء في البدائع ( جزء 6 ص 115 ) : " أما ركن الهبة فهو الإيجاب من الواهب ، فأما القبول من الموهوب له فليس بركن استحساناً . والقياس أن يكون ركناً ، وهو قول زفر ، وفي قول قال القبض أيضاً ركن " . أما القبض ، فهو في الفقه الحنفي شرط لنقل الملك في الموهوب إلى الموهوب له . وقد أخذ قانون الأحوال الشخصية برأي زفر ، فنصت المادة 500 على أن " تصح الهبة بإيجاب من الواهب وقبول من الموهوب له ، والقبض يقوم مقام القبول " .
وعند مالك تتم الهبة وتلزم بإيجاب الواهب . ويستطيع الموهوب له أن يجبر الواهب على التسليم ، فينتقل إليه الملك بالقبض . ولو قبض بغير إذن الواهب ، صح وانتقل الملك إليه .
وعند الشافعية والحنابلة لا تصح الهبة إلا بالايجاب والاقبول .
( [2] )  قارن الأستاذ محمود جمال الدين زكي فقرة 29 ص 57 – والأستاذ أكثم الخولي فقرة 52 .
( [3] )  استئناف مختلط 16 مايو سنة 1944 م 56 ص 147 – 18 مارس سنة 1948 م 59 ص 167 – وقد عرف القانون الروماني الهبة لما بعد الموت ( mortis causa donation ) ، بأنها هبة يتجرد بها الواهب عن مال له دون مقابل لمصلحة الموهوب له عندما يخشى أن تكون منيته قد دنت ، كأن يكون موشكاً على الاشتباك في حرب أو في مبارزة أو كأن يكون مصاباً بمرض خطير ، ولا ينتقل ملك الموهوب إلى الموهوب له إلا إذا مات الواهب قبله . فإذا نجا الواهب من الموت انفسخت الهبة من تلقاء نفسها .
ويبيح القانون المدني الفرنسي ضروباً من الهبة تقرب من الهبة لما بعد الموت ، أهمها هي هبة الأموال المستقبلة التي يتضمنها الاتفاق المالي في الزواج ( contrat de marriage ) ، والهبة ما بين الزوجين ( أنظر في هذه المسألة في القانون الروماني وفي القانون المدني الفرنسي اوبرى وروو إسمان 10 فقرة 645 ) .
ويعرف الفقه الإسلامي ، ومعه القانون المدني المصري ، الهبة في مرض الموت . وتختلف عن الهبة لما بعد الموت في أن هذه لا تنقذ إلا بموت الواهب كما في الوصية ، أما الهبة في مرض الموت فتنفذ حال حياة الواهب ولو أنه يكون في مضر الموت وقت أن يهب ، فمن الناحية العملية إذن تتقارب الهبتان . والهبة في مرض الموت لها على كل حال حكم الوصية ، فلا تنفذ إلا في ثلث التركة ، لوارث أو لغير وارث .
ويعرف الفقه الإسلامي كذلك العمري والرقبي . أما العري فهي أن يقول شخص لآخر أعمرتك كذا مدة حياتك ، حتى إذا مت عادت إلي إن كنت حياً أو إلى ورثتي إن مت قبلك ، وعند الحنفية والشافعية والحنابلة أن الهبة تصح ويلغو الشرط ، فتكون العين ملكاً للمعمر له ثم لورثته من بعده ، وعند المالكية يصح العقد والشرط معاً ، فتكون العمري تمليك منفعة العين للمعمر له مدة حياته ، فإذا مات رجعت العين إلى المعمر إن كان حياً أو إلى ورثته . أما الرقبي فهي أن يقول شخص لآخر داري لك رقبى ، أي ترتقب موتى ، حتى إذا مت كانت الدار ملكاً لك . فهذا تملك بات ( بخلاف الوصية ) أضيف إلى الزمان المستقبل ، فلا تجوز عند الجمهور ، وتخرج عند مالك على إنها وصية فتجوز . وهناك صورة أخرى للرقبى : يكون لزيد دار ولبكر دار ، فيشفقان على أن الدارين يكونان ملك من يعيش بعد الآخر ، ويغلب أن يكون ذلك بين الزوجين . وهذه الصورة باطلة عند الجميع – حتى عند مالك – لما فيها من الغرر . أنظر في العمري والرقبى البدائع 6 ص 116 – ص 117 – الخرشي 7 ص 111 – ص 112 – المهذب 1 ص 448 – المفتي 5 ص 624 – ص 628 – وانظر المادة 504 من قانون الأحوال الشخصية لقدري باشا .
وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا حررت زوجة لزوجها عقد بيع بجميع أملاكها على أن يتملكها إذا ماتت قبله ، وحرر هذا الزوج لزوجته مثل هذا العقد لتتملك هي ماله في حالة وفاته قبلها ، فإن التكييف الصحيح الواضح لتصرفها هذا أنه تبادل منفعة معلق على الخطر والضرر ، وانه اتفاق مقصود به حرمان ورثة كل منهما من حقوقه الشرعية في الميراث ، فهو اتفاق باطل . أما التبرع المحض الذي هو قوام الوصية وعمادها ، فلا وجود له فهي . ويشبه هذا التصرف أن يكون من قبيل ولاء الموالاة ولكن فيغير موطنه المشروع هو فيه ما دام لكل من المتعاقدين ورثة آخرون .
بل هو من قبيل الرقبى المحرمة شرعاً ( نقض مدني 14 يونيه سنة 1934 مجموعة عمر 1 رقم 199 ص 449 ) .
وقضت محكمة الاستئناف المختلطة في حكم بأن الرقبى باطلة ( 25 مارس سنة 1931 م 43 ص 312 ) ، وفي حكم آخر بأنها وصية مستترة فيكون لها حكم الوصية ، وهذا هو مذهب مالكح ( 5 مارس سنة 1935 م 47 ص 183 ) .
( [4] )  استئناف مختلط 14 يناير سنة 1930 م 42 ص 186 – ولكنه يستطيع أن يهب مالا في الحال ويؤجل تسليمه إلى ما بعد وته . فبثبت للموهوب له في الموهوب حق الملك في الحال ( أوبرى ورو وغسمان 10 فقرة 647 ص 411 – وبودري وكولان 10 فقرة 23 . أما إذا وهب شخص آخر مالا على إلا يثبت للموهوب له ملك في الموهوب إلا بعد موت الواهب – وهذه هي الهبة لما بعد الموت – فإن هذه الهبة تكون باطلة كما قدمنا . ولكني صح أن تتحول ، وفقاً لقواعد تحول التصرفات الباطلة ، إلى وصية صحيحة ، فيجوز للمتصرف الرجوع فيها حال حياته ، ولا تنفذ إلا في ثلث التركة ( قارب استئناف مختلط 5 مارس سنة 1935 م 47 ص 183 – وقارن الأستاذ أكثم الخولي فقرة 54 ) .
( [5] )  مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 244 – ومن اخص خصائص الوصية أنها لا تجوز بغير إجازة الورثة إلا في ثلث التركة . أما الهبة فتجوز في كل آمال ، ولكن على أن يتجرد الواهب عن ماله حال حياته ، وهذا هو الذي يثنيه عادة عن الهبة .


تذكار الفخار :
الأستاذ الدكتور/حسن علي الذنون 

"من لا يخلص لوطنه لا يخلص في عمله، ومن لا يخلص في عمله لا يخلص لوطنه ، فالعلاقة بين العمل والوطن ديناميكية أساسية وتنطوي على منظومة من القيم السامية"

الأستاذ الدكتور/حسن علي الذنون
- فقيه القانون-يعدُّ من الرواد -العراق .مواليد:الموصل سنة 1911
- -توفاه الله في السابع من يناير 2014 -كان من المعاصرين -وبمثابة تلميذ- للسنهوري وقد أخذ منه ورجع إليه السنهوري في الكثير عند كتابة موسوعته :الوسيط في شرح القانون المدني للمقارنة بين القوانين العربية

مواضيع ومجالات مقترحة

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"

أهلا وسهلا بك زائرنا المحترم
هذا العمل هو عمل متنامي يتطور باستمرار لاتحرمنا من ثواب مشاركتك أو متابعتك
بقدر ما تستطيع انشر وشارك المقالات مع معارفك واصدقاءك
فهذا ما يجعلنا نستشعر الاهتمام والتشجيع
فأعط لغيرك إمكانية الاستفادة والتعلم والبحث


ديوان صوت القوانين موقع صوت القوانين

×